تعد التجربة الفنزويلية، من خلال محاولتي الانقلاب ضد الرئيس شافيز في 2002 وحكم خلفه نيكولاس مادورو، درسًا في كيفية تأثير الشرعية الشعبية والقمع السياسي على استقرار الأنظمة الحاكمة. في الفترة التي قاد فيها شافيز البلاد.
كانت سياساته الاشتراكية وإصلاحاته الاقتصادية قد أثارت الجدل، لكنها، في الوقت نفسه، عززت دعمًا شعبيًا هائلًا، وهو ما أتاح له القدرة على الصمود أمام محاولة الانقلاب في 2002. كانت الجماهير الفنزويلية،
رغم الانقسامات السياسية، مستعدة للدفاع عن النظام الحاكم، مما أظهر قدرة شافيز على حشد الشعب لصالحه.
لكن الوضع اختلف تمامًا مع خلفه مادورو، الذي ورث عن شافيز ليس فقط السياسات الاشتراكية، بل أيضًا التحديات الاقتصادية والأزمات السياسية المتفاقمة.
بينما حافظ شافيز على شرعية شعبية إلى حد ما بفضل الدعم الواسع من الجماهير، لم يتمكن مادورو من حشد نفس القدر من الدعم،
بل واجه احتجاجات جماهيرية واسعة بسبب الأزمات الاقتصادية التي خلفها انخفاض أسعار النفط، فضلًا عن القمع الشديد للمعارضة.
وكان التوتر السياسي الداخلي بين العسكريين والقيادات المدنية قد أثر بشكل كبير على قدرة النظام على الحفاظ على استقراره.
هذا التدهور في شرعية مادورو أدى إلى تعزيز تدخّل القوى الخارجية، خاصة الولايات المتحدة، التي وجدت في انقسامات النظام الفنزويلي فرصة للتأثير على مسار الأحداث.
في الواقع، كان ضعف مادورو في السيطرة على الوضع الداخلي، وافتقاره إلى قاعدة شعبية قوية، هما العوامل الرئيسية التي جعلته عرضة للتلاعب الخارجي، مما سهل التدخلات الاقتصادية والسياسية.
ومن هنا، يظهر أن الدكتاتورية يمكن أن تؤدي إلى تفاقم الأزمات الداخلية، بل وتجعل الأنظمة أكثر عرضة للانهيار بسبب القمع الداخلي وعدم التوافق مع الشعب.
في النهاية، تُظهر التجربة الفنزويلية أن الاستبداد بدون شرعية شعبية حقيقية لا يمكن أن يدوم طويلاً، بل يمكن أن يؤدي إلى اختراق القوى الخارجية للنظام وتحقيق أهدافها على حساب استقرار الدولة.
هذه التجربة تعد درسًا للدول التي تميل نحو الأنظمة الدكتاتورية أو التي تتجاهل مصالح شعوبها لصالح السياسات القمعية. يمكن أن تكون هذه الأنظمة أكثر عرضة للانهيار الداخلي أو التدخلات الخارجية، مما يجعلها غير قادرة على الحفاظ على سيادتها واستقلالها في عالم يتزايد فيه التنافس على النفوذ.
. وفقًا للخبراء، يعتبر التحول من شافيز إلى مادورو نقطة فارقة في الأزمة الفنزويلية.
الدكتور أليخاندرو كاسيس، أستاذ العلاقات الدولية، يشير إلى أن شافيز كان قادرًا على توحيد الشعب والجيش بسبب شعبيته الكبيرة وسياساته الاجتماعية،
بينما فشل مادورو في الحفاظ على نفس الدعم، مما دفعه إلى استخدام القوة المفرطة ضد المعارضة وزيادة الانقسامات الداخلية، ما سمح بالتدخلات الخارجية مثل ضغوط الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، يعتقد لويس تريخاس أن مادورو، الذي تولى السلطة بعد شافيز، فشل في تجنب الخلافات الداخلية مع الجيش والمجتمع المدني، مما جعل النظام هشًا وسهلاً للاستغلال من قبل القوى العالمية.
أما ماريا فيرجينيا روبلز، المحللة الاقتصادية، فتؤكد أن الأزمة الاقتصادية تحت حكم مادورو تعود إلى سوء الإدارة وانخفاض أسعار النفط. فقد تمكن شافيز من مواجهة الأزمة بطريقة غير تقليدية، بينما فشل مادورو في تحديث السياسات أو تقديم حلول فعالة.
إدواردو لونا يضيف أن النظام تحت حكم مادورو عانى من تزايد التوترات الداخلية، ما أثر سلبًا على الوحدة الوطنية. هذا الضعف الداخلي جعل فنزويلا عرضة لتدخلات القوى الخارجية، وخاصة الولايات المتحدة.
أما روبن سوتو فيرى أن النظام الفنزويلي أصبح أكثر ضعفًا مع مرور الوقت، وأدى غياب الدعم الشعبي إلى تحويل فنزويلا إلى ساحة لصراع القوى الدولية.






