ما نراه اليوم في العالم لم يكن في حساب أحد، لا في مراكز القرار الغربية، ولا في غرف التخطيط داخل “الكيان الصهيوني، ولا حتى لدى حلفائه الإقليميين.
فقبل “الطوفان”، بدا المشهد وكأن إسرائيل بلغت ذروة قوتها: تطبيع يتسارع، نفوذ يتغلغل في القرار الأميركي، وحصار محكم لغزة يعكس ثقة المنتصر الذي يظن أن المعادلة حُسمت إلى الأبد.
لكن ما جرى لاحقًا لم يكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل صدمة استراتيجية أصابت بنية النظام الإقليمي، وامتدت ارتداداتها إلى النظام الدولي ذاته، لتكشف هشاشته وتفتح الباب أمام تحولات لم تكتمل فصولها بعد.
الطوفان.. من عملية عسكرية إلى زلزال استراتيجي
تجمع تحليلات مراكز أبحاث غربية، نقلتها وكالات مثل رويترز وأسوشيتد برس، على أن ما حدث في السابع من أكتوبر شكّل اختراقًا غير مسبوق لمنظومة الردع الإسرائيلية.
لم يكن الحدث في نتائجه الميدانية فقط، بل في كسره للصورة الذهنية التي روّجت لها إسرائيل لعقود بوصفها “الدولة التي لا تُقهر”.
يقول الخبير في الشؤون الأمنية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، مارك فيتزباتريك، إن “الضرر الأكبر الذي لحق بإسرائيل ليس عسكريًا فقط، بل نفسي واستراتيجي، إذ سقطت فرضية السيطرة المطلقة”.
سقوط الصورة.. من “دولة ديمقراطية” إلى متهم دائم
قبل الطوفان، كانت إسرائيل تُقدَّم في الغرب باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. اليوم، تغيّرت النبرة بشكل لافت، فتقارير أممية، وتحقيقات أولية للمحكمة الجنائية الدولية، وتغطيات صحفية موسّعة في الغارديان ونيويورك تايمز، أعادت توصيف قادتها كـمشتبه بهم بارتكاب جرائم حرب.
ويرى أستاذ القانون الدولي بجامعة باريس، جان-بيير دوبوا، أن “التحول الأخطر هو انتقال الخطاب من الانتقاد الأخلاقي إلى المساءلة القانونية، وهو ما يضع إسرائيل في خانة دفاعية غير مسبوقة”.
غزة.. من سجن محاصر إلى عقدة سياسية دولية
غزة، التي كانت محاصَرة وتُدار كملف أمني، تحوّلت اليوم إلى قضية دولية مركزية، فالحديث عن إعادة الإعمار، والإدارة المدنية، ومستقبل القطاع، لم يعد يمر حصريًا عبر إسرائيل، وتقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي تشير إلى سيناريوهات تُقصي الاحتلال المباشر عن إدارة غزة، مقابل أطر دولية أو إقليمية.
المفارقة، كما تنقل صحف عبرية، أن قطاعات واسعة داخل إسرائيل تتهم بنيامين نتنياهو بأنه “ضيّع غزة إلى الأبد”، وأنه قاد الدولة إلى مأزق استراتيجي سيدفع ثمنه سياسيًا وربما قانونيًا.
الولايات المتحدة.. ارتباك القوة العظمى
الزلزال لم يتوقف عند حدود فلسطين، فالولايات المتحدة، الداعم الرئيسي لإسرائيل، دخلت بدورها مرحلة ارتباك، فبحسب تحليلات نشرتها فايننشال تايمز، فإن عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد واستمراره لمدة عام – أو إعادة توظيفه سياسيًا – لم تُنهِ الانقسام الأميركي، بل عمّقته.
يقول الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ستيفن كوك، إن “واشنطن اليوم أقل قدرة على فرض إيقاعها على الحلفاء والخصوم معًا، وهو ما يفتح المجال أمام فوضى استراتيجية”.
أوروبا تطرق أبواب بكين
في تطور لافت، بدأت أوروبا، المتضررة اقتصاديًا وسياسيًا من استمرار الصراع، بإرسال إشارات انفتاح على الصين فالتقارير ببلومبيرغ ورويترز تحدثت عن مشاورات أوروبية-صينية حول قضايا الطاقة والاستقرار العالمي، في خطوة تعكس تصدع الجبهة الغربية الموحدة.
ويرى الخبير الألماني في الجيوبوليتيك، فولفغانغ شتريِك، أن “أي تقارب أوروبي-صيني ناضج سيكون علامة على تحول عميق في بنية النظام الدولي، بدأ شرره من الشرق الأوسط”.
الإمارات.. من لاعب ضاغط إلى مأزق أخلاقي
الإمارات، التي كانت رأس حربة في مسار التطبيع الإقليمي، وجدت نفسها في موقف دفاعي، فالانتقادات الحقوقية، والضغوط الشعبية، وتبدّل المزاج الدولي تجاه إسرائيل، كلها عوامل جعلت سياساتها موضع مساءلة.
وتشير تحليلات صحفية غربية إلى أن أبوظبي باتت تحاول خفض منسوب الظهور السياسي في ملفات حساسة كانت حاضرة فيها بقوة.
السعودية.. ابتعاد محسوب عن التطبيع
على الضفة الأخرى، تبدو السعودية وقد أعادت حساباتها، فبعد أن كانت على شفا التطبيع، اختارت مسارًا أكثر حذرًا، وهو تقارب مع باكستان، وتنسيق مع تركيا، وانفتاح مدروس على دول عربية وازنة، وتؤكد مصادر دبلوماسية نقلتها رويترز أن الرياض باتت ترى في الاستقرار الإقليمي أولوية تتقدم على أي ترتيبات مع إسرائيل.
سوريا وقسد.. تراجع الوظيفة وانكشاف الغطاء
في سوريا، لم تكن التطورات بعيدة، فمع تراجع القبضة الإسرائيلية على القرار الإقليمي، تقلص هامش حركة “قسد” المدعومة أميركيًا، وتقارير ميدانية أشارت إلى انسحابات تدريجية من مناطق في الرقة ودير الزور، في ظل تراجع الدعم الخارجي المباشر.
يقول الباحث السوري في الشؤون العسكرية، فايز الأسمر، إن “قسد أدت وظيفتها في لحظة معينة، ومع تغير السياق الاستراتيجي انتهى دورها أو كاد”.
عالم يتشكل على إيقاع الصمود
ما نشهده اليوم ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل تحولًا بنيويًا في موازين القوة.
صورة الكيان الصهيوني انهارت، ومعها تراخت قبضته على القرار الدولي، وسقطت قدرته على ابتزاز الجميع.
هذه التحولات ليست عابرة، بل هي نتاج سنوات طويلة من المقاومة، وسنتين من الصبر والصمود والدماء.
العالم يتغير.. وما بدأ من غزة، يتجاوزها إلى نظام دولي أكثر هشاشة وأقل يقينًا، والآتي.. أخطر مما مضى.






