عندما أشعلت تونس شرارة الاحتجاجات العربية أواخر عام 2010، كانت تُقدَّم بوصفها النموذج الأكثر نجاحًا بين تجارب الربيع العربي. فقد تمكنت البلاد من تجنب الانهيارات الأمنية والحروب الأهلية التي شهدتها دول أخرى، وأقامت نظامًا سياسيًا تعدديًا سمح بتداول السلطة وصعود قوى سياسية متنافسة إلى الحكم.
غير أن المشهد التونسي شهد تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد عام 2021، والتي شملت تجميد البرلمان ثم حله، وإعادة صياغة الدستور والنظام السياسي.
ويرى معارضون أن هذه الإجراءات دشنت مرحلة جديدة من تركيز السلطة في يد الرئاسة، وأضعفت مؤسسات الرقابة والتوازن التي قامت عليها التجربة الديمقراطية بعد الثورة. كما يشير منتقدون إلى أن موجة الملاحقات القضائية التي طالت شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية تعكس تراجعًا في مساحة العمل العام والحريات السياسية.
وتكتسب قضية الجهاز السري أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تحولت من ملف قضائي إلى مرآة تعكس الجدل الدائر حول استقلال القضاء. فالمعارضة تعتبر أن القضاء بات يُستخدم في إدارة الصراع السياسي، بينما تؤكد السلطة أن المحاكم تمارس اختصاصاتها بصورة طبيعية وأن مكافحة الفساد والإرهاب لا يمكن أن تتوقف بسبب الانتماءات السياسية للمتهمين.
وتستحضر هذه الأزمة محطات تاريخية عديدة في التجربة التونسية الحديثة. فمن اغتيالات عام 2013 التي هددت مسار الانتقال الديمقراطي، إلى التوافقات السياسية التي جنبت البلاد الانزلاق إلى الفوضى، ثم مرحلة ما بعد 2021 التي أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النظام السياسي وحدود السلطة التنفيذية.
كما تبرز في هذا السياق قضية عزل عدد من القضاة والخلافات التي أثيرت بشأن تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية، وهي ملفات استخدمها منتقدو السلطة للدلالة على وجود أزمة ثقة متصاعدة بين المؤسسات القضائية والسلطة التنفيذية.
واليوم، تقف تونس أمام مفترق طرق جديد. فبينما تؤكد السلطة أن ما يجري يندرج ضمن مسار إصلاح الدولة ومكافحة الفساد، ترى المعارضة أن البلاد تشهد انكماشًا متزايدًا في المجال العام، وتراجعًا للمكاسب الديمقراطية التي تحققت بعد الثورة.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع تونس استعادة روح التوافق والحوار التي ميزت سنوات الانتقال الأولى، أم أن استمرار الاستقطاب السياسي سيقود إلى مزيد من التوتر والانقسام؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الحريات في تونس، بل ستحدد أيضًا مصير التجربة الديمقراطية الأكثر شهرة في تاريخ الربيع العربي.


