تُعد المؤسسة الوطنية للنفط الورقة الأهم في معادلة الصراع على المناصب السيادية في ليبيا، حيث تمثل عائداتها ما يقارب 97% من إيرادات الدولة، ما يجعل رئاستها بمثابة مفتاح السيطرة على الموارد الاقتصادية للبلاد.
ومنذ رحيل رئيسها السابق فرحات عمر بن قدارة في يناير الماضي لأسباب صحية، ظلّ المنصب شاغرًا بشكل رسمي، فيما يتولى مسعود سليمان إدارتها مؤقتًا، وسط تنافس محتدم على من يخلفه. وحتى الآن تجنّب رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة إصدار قرار نهائي بتعيين رئيس جديد ومجلس إدارة مكتمل، في خطوة تعكس حرصه على الاحتفاظ بزمام النفوذ داخل المؤسسة.
أسماء مرشحة وصراع نفوذ
تكشف مصادر سياسية ليبية أن الدبيبة يسعى إلى الدفع بمرشحه المقرّب خليفة عبد الصادق، وزير النفط والغاز المكلّف، لتولي المنصب. عبد الصادق، وهو مهندس نفطي تولى سابقًا إدارة شركة “زلاف ليبيا”، يُنظر إليه باعتباره خيار طرابلس للحفاظ على النفوذ الغربي، خاصة مع تحالفاته مع شركات أوروبية بحثًا عن شرعية دولية. غير أن خلافاته الأخيرة مع مسعود سليمان بشأن مشاريع التطوير أظهرت عمق التنافس داخل القطاع.
في المقابل، تضغط أطراف وازنة في الشرق لصالح محمد بن شتوان، الرئيس السابق لشركة الخليج العربي للنفط (أجوكو)، والذي تولى أيضًا في فبراير رئاسة شركة “مليتة” المشتركة مع “إيني” الإيطالية، ما منحه خبرة وصلاحيات واسعة في إدارة واحد من أكثر الملفات تعقيدًا.
أما الاسم الثالث المطروح فهو رفعت محمد العبّار، المحسوب على الدائرة المقربة من مسعود سليمان، والذي شغل في 2021 منصب وكيل وزارة النفط والغاز في حكومة الوحدة الوطنية.
تدخل أمريكي ومشاورات خارجية
الملف لم يعد شأنًا داخليًا خالصًا، إذ دخلت واشنطن على خط الوساطة عبر مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لشؤون أفريقيا، الذي أشرف على لقاءات مطلع سبتمبر في روما جمعت بين إبراهيم الدبيبة، ابن شقيقة رئيس الحكومة، وصدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي. المشاورات جرت في إطار مساعٍ أمريكية لضمان استمرار تدفق النفط الليبي إلى الأسواق العالمية، بعيدًا عن تأثير النزاع السياسي والعسكري.
رهانات اقتصادية وأمنية
الأهمية الاستراتيجية لحسم هذا التنافس تكمن في حماية الإنتاج النفطي الذي يصل حاليًا إلى 1.38 مليون برميل يوميًا. أي فشل في التوصل إلى توافق قد يفتح الباب أمام إغلاقات جديدة للحقول والموانئ، كما حدث في السابق حين استخدمت بعض القبائل والميليشيات النفط كورقة ضغط.
ويُذكر أن نحو 80% من الموارد النفطية الليبية تتركز في حوض سرت، المنطقة التي تمثل الحد الفاصل بين سلطات الشرق والغرب، ما يجعل السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط قضية لا تتعلق فقط بالاقتصاد، بل بمستقبل التوازن السياسي والأمني في ليبيا بأسرها.







