في وقت يشهد فيه المشهد الثقافي العربي تحولات متسارعة، تؤكد الشاعرة السعودية الدكتورة مها العتيبي أن الثقافة في المملكة العربية السعودية أصبحت ركيزة أساسية في مشروع التنمية، ولم تعد نشاطًا هامشيًا، بل باتت جزءًا من الهوية الوطنية وصورة المجتمع في ظل الحراك الثقافي الذي أطلقته رؤية المملكة 2030. وترى أن هذا التحول أتاح للمبدعين فرصًا أوسع للحضور، وخلق بيئة أكثر احتضانًا للإنتاج الأدبي والفني.
وفي هذا الحوار، تتحدث مها العتيبي عن واقع القصيدة العربية، وأزمة النقد، وتأثير الحداثة، وعلاقة النص بالمتلقي، وحضور التراث والأسطورة، إلى جانب دور الشعر في التعبير عن قضايا الهوية والحروب وتحولات المجتمع.

■ كيف تقرئين المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية اليوم؟
المشهد الثقافي السعودي يعيش مرحلة ازدهار حقيقية، انعكست في تنوع الفعاليات واتساع حضور الكتّاب والشعراء ودور النشر والمؤسسات الثقافية. وأرى أن رؤية المملكة 2030 منحت الثقافة مساحة أكبر، ووفرت لها دعمًا مؤسسيًا جعلها أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور محليًا وعربيًا وعالميًا.
فالمبدع لا يكتفي بموهبته أو بالنص الذي يكتبه، بل يحتاج إلى بيئة تؤمن بقيمة الثقافة، ومنصات قادرة على تقديمه، وهو ما تعمل عليه وزارة الثقافة من خلال دعم المشروعات الثقافية وتعزيز الهوية الوطنية والحوار الحضاري.
■ هل تعتقدين أن القصيدة العربية تعيش أزمة؟
أعتقد أن الأزمة ليست أزمة شعر بقدر ما هي أزمة قراءة ونقد ومنصات ثقافية. هناك شعراء يكتبون دون عمق، وفي المقابل هناك قراء يبحثون عن نص سريع وسهل، كما أن بعض المؤسسات تمنح الأولوية للأسماء المعروفة أكثر من جودة النصوص.
الخروج من هذه الأزمة يبدأ بإحياء ثقافة القراءة الجادة، وتطوير الحركة النقدية، ودعم المجلات والورش الأدبية، حتى يستعيد الشعر مكانته باعتباره تجربة إنسانية وفكرية عميقة.

■ ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه النقد الأدبي؟
النقد الحقيقي هو الذي يفتح أبواب النص أمام القارئ، ويكشف طبقاته الجمالية دون أن يحوله إلى مادة معقدة لا يفهمها إلا المتخصصون. وعندما ينشغل الناقد بالمصطلحات أكثر من النص نفسه، فإنه يبتعد عن القارئ بدلاً من أن يقترب منه.
ولا يزال النقد العربي بحاجة إلى مواكبة الإبداع المتسارع، لأن كثيرًا من القراءات النقدية ما زالت أسيرة الانطباعات الشخصية أو المناهج الجامدة.
■ كيف ترين العلاقة بين القصيدة والقارئ؟
هناك بالفعل فجوة بين بعض النصوص والمتلقي. فبعض الشعراء يذهبون بعيدًا في الغموض، بينما ينتظر القارئ معنى مباشرًا منذ البداية.
الشعر بطبيعته رحلة، ويحتاج إلى قارئ يشارك في اكتشافه، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي للشاعر أن يبني عالماً مغلقًا يستحيل الوصول إليه، كما لا ينبغي للقارئ أن يطالب القصيدة بالتخلي عن جمالها وعمقها لصالح المباشرة.

■ هل استطاعت القصيدة العربية التعبير عن تحولات المجتمع؟
القصيدة العربية واكبت كثيرًا من التحولات الاجتماعية والثقافية، وطرحت أسئلة المرأة والهوية والانتماء، لكنها وقعت أحيانًا في المباشرة أو في الغموض المفرط.
وأرى أن أجمل القصائد هي التي تجعل هذه التحولات جزءًا من بنيتها الفنية، من خلال الصورة الشعرية والإيقاع والرؤية، لا عبر الشعارات والخطاب المباشر.
■ ما أبرز الأنساق الثقافية التي تحضر في القصيدة العربية الحديثة؟
هناك أنساق عديدة تفرض حضورها اليوم، من أبرزها الهوية، والمدينة، والمنفى، والمرأة، والجسد، والذاكرة، والتكنولوجيا.
الشاعر المعاصر يعيش وسط عالم مزدحم بالأحداث والصور والأسئلة، ولذلك أصبحت القصيدة مرآة لهذه التحولات حتى عندما تبدو قصيدة حب أو تأمل ذاتي.

■ كيف أثرت الحداثة في بنية القصيدة العربية؟
الحداثة حررت القصيدة من كثير من القيود الشكلية، لكنها لم تلغ الحاجة إلى الشعرية الحقيقية. فقد أتاحت ظهور قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، ووسعت مساحة التجريب، وأدخلت تعدد الأصوات والتداخل بين السرد والشعر.
والحداثة ليست في الشكل وحده، فقد يكتب شاعر قصيدة موزونة بروح حديثة، بينما يكتب آخر نصًا حرًا لكنه يظل تقليديًا في رؤيته للعالم.
■ هل نجحت القصيدة الحديثة في منح المهمشين صوتًا داخل النص؟
أعتقد أن من أهم منجزات الحداثة اقترابها من الشخصيات والقضايا المهمشة، كالمرأة والمنفي والفقير وكل من لا يجد مكانًا في الخطاب السائد.
لكن مجرد ذكر هذه الشخصيات لا يكفي، فالمهم أن تصبح جزءًا من البناء الفني للنص، وأن تمتلك صوتها الحقيقي داخل التجربة الشعرية.

■ كيف تنظرين إلى العلاقة بين التراث والحداثة؟
لا أرى تعارضًا بينهما، بل أؤمن بأن الحوار بين التراث والحداثة يمنح القصيدة عمقًا وجمالًا. فالتراث يمثل الذاكرة، بينما تمنح الحداثة النص القدرة على طرح الأسئلة وإعادة إنتاج المعاني.
والأسطورة كذلك ليست زينة لغوية، بل ينبغي أن تتحول إلى عنصر حي داخل النص، يعاد تشكيله بما يخدم تجربة الشاعر ورؤيته الخاصة.
■ ماذا عن الشعر في زمن الحروب والتحولات الكبرى؟
الشعر لا يكتفي برصد المأساة، بل يحاول أن يحول الألم إلى تجربة إنسانية وجمالية تفتح باب التأمل والأسئلة.
كما أن الهوية أصبحت في القصيدة المعاصرة سؤالًا مفتوحًا، يتجاوز حدود المكان إلى اللغة والذاكرة والانتماء. وأرى أن القصيدة الناجحة هي التي تجعل الوطن حاضرًا في تفاصيلها الصغيرة كما هو حاضر في قضاياها الكبرى.

يذكر أن الدكتورة مها العتيبي شاعرة
سعودية، حاصلة على درجة الدكتوراه في مناهج وطرق تدريس العلوم من جامعة أم القرى، وصدر لها اثنا عشر ديوانًا شعريًا، إلى جانب رواية لليافعين وكتاب في النقد الأدبي، كما شاركت في العديد من المؤتمرات والملتقيات الثقافية داخل المملكة وخارجها، ونالت عددًا من الجوائز العربية، من أبرزها جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية في دورتي 2020 و2026.


