أعادت الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تشكيل مواقف الأحزاب والحركات الإسلامية في آسيا، خصوصاً في الهند وبنغلاديش وماليزيا، حيث تداخلت الاعتبارات الدينية مع الحسابات السياسية والضغوط الداخلية. وبينما تتبنى بعض التيارات خطاباً داعماً لإيران بوصفها “طرفاً في مواجهة النفوذ الأمريكي”، تفضّل تيارات أخرى الحذر والدعوة إلى التهدئة، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من توسع الصراع إقليمياً.
هذه المواقف لم تكن موحدة، بل عكست اختلافات عميقة بين المدارس الإسلامية نفسها، وبين علاقتها بالدولة والمجتمع والشارع.
الهند: مواقف حذرة بين التعاطف الشعبي والحسابات السياسية
في الهند، برزت الحركات الإسلامية في موقف أكثر تعقيداً مقارنة ببعض دول الجوار، نتيجة حساسية البيئة السياسية الداخلية وتعدد التوازنات الطائفية والسياسية. كثير من التيارات الإسلامية عبّرت عن رفضها للحرب الأمريكية على إيران، معتبرة أن التصعيد يهدد استقرار المنطقة ويزيد من معاناة الشعوب المسلمة.
هذا الخطاب ظهر بشكل أوضح في الأوساط الشعبية ذات الحس الديني، حيث سادت حالة من التعاطف مع المدنيين المتضررين من الحرب، دون أن يتحول ذلك إلى موقف سياسي داعم بشكل مباشر لطهران.
في المقابل، فضّلت أحزاب إسلامية أخرى تبني خطاب أكثر حذراً، يركز على الدعوة إلى وقف إطلاق النار وتجنب الانخراط في أي استقطاب دولي، خاصة في ظل البيئة السياسية الهندية الحساسة تجاه أي مواقف قد تُفسر على أنها انحياز خارجي.
كما أن القيود السياسية الداخلية دفعت العديد من الحركات إلى الاكتفاء ببيانات عامة تدعو إلى السلام، دون الدخول في تفاصيل الصراع أو تحديد مواقف واضحة من أطرافه.
الحركات الإسلامية في بنغلاديش: موقف حذر بين التعاطف والحياد
في بنغلاديش، جاء موقف الأحزاب الإسلامية أكثر تحفظاً مقارنة بالهند. فمع اقتراب الانتخابات العامة، ركزت هذه الأحزاب على القضايا الداخلية، لكنها في الوقت نفسه أبدت مواقف سياسية عامة تندد بالحرب وتدعو إلى وقف التصعيد.
بعض التيارات الإسلامية، مثل الجماعات القريبة من الفكر المحافظ، اعتبرت أن الهجمات على إيران تمثل تهديداً للاستقرار الإقليمي، لكنها لم تتبنَّ خطاباً داعماً بشكل مباشر لطهران، بسبب حساسية التوازنات الداخلية في البلاد، والعلاقات الدبلوماسية مع القوى الغربية.
كما أن المشهد الإسلامي في بنغلاديش يعاني من تشتت واضح، إذ لا توجد جبهة موحدة، بل تيارات متعددة تتباين في رؤيتها للعلاقة مع إيران والولايات المتحدة. هذا التشتت جعل الموقف العام أقرب إلى “الحياد الحذر”، مع تركيز أكبر على الاستقرار الداخلي.
ورغم ذلك، ظهرت بعض البيانات من حركات إسلامية تدعو إلى احترام سيادة الدول الإسلامية ورفض التدخل الخارجي، في إشارة غير مباشرة إلى الحرب.
ماليزيا: خطاب سياسي إسلامي يركز على الدبلوماسية
في ماليزيا، اتسمت مواقف الحركات الإسلامية بطابع أكثر مؤسساتية وبراغماتية. فالأحزاب الإسلامية، وعلى رأسها التيارات القريبة من الحكم أو المشاركة فيه، ركزت على الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية ورفض التصعيد العسكري.
الخطاب الماليزي لم يظهر انحيازاً واضحاً لأي طرف في الحرب، بل شدد على أهمية احترام القانون الدولي ووقف استهداف المدنيين. هذا الموقف يعكس طبيعة السياسة الماليزية التي تميل إلى التوازن في علاقاتها الدولية، خاصة مع الغرب والدول الإسلامية في آن واحد.
كما أن الحركات الإسلامية في ماليزيا تضع الأولوية عادة للقضايا الاقتصادية والتنموية الداخلية، مما يجعل تدخلها في الصراعات الخارجية محدوداً نسبياً، ويقتصر على بيانات سياسية عامة.
ومع ذلك، فإن الخطاب الإسلامي في البلاد يتقاطع في نقطة أساسية مع باقي الحركات الإسلامية في آسيا، وهي رفض الحرب كخيار أولي، والدعوة إلى تسوية سياسية للأزمة.
القواسم المشتركة: رفض الحرب مع اختلاف الدوافع
رغم التباين بين الدول الثلاث، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً بين معظم الحركات الإسلامية، وهو رفض التصعيد العسكري والدعوة إلى وقف الحرب. هذا الموقف لا ينبع دائماً من دعم مباشر لإيران، بل من رؤية أوسع تعتبر أن الحروب الخارجية تزيد من معاناة الشعوب الإسلامية وتضعف استقرار المنطقة.
في الوقت نفسه، تختلف الدوافع:
في الهند، الدافع أقرب إلى التعاطف الشعبي مع المدنيين.
في بنغلاديش، الدافع سياسي مرتبط بالتوازنات الداخلية.
في ماليزيا، الدافع مؤسسي وبراغماتي مرتبط بالسياسة الخارجية المتوازنة.
التحديات الداخلية: الانقسام والضغط الشعبي
تواجه الحركات الإسلامية في هذه الدول تحديات معقدة بسبب الحرب. في الهند، يمثل تعدد الاتجاهات الإسلامية والضغوط السياسية الداخلية تحدياً كبيراً أمام توحيد موقف واضح، خاصة مع حساسية الخطاب الديني في المجال العام.
أما في بنغلاديش، فالتحدي يتمثل في ضعف التنسيق بين الحركات الإسلامية وتعدد اتجاهاتها، ما يقلل من قدرتها على تشكيل موقف موحد.
وفي ماليزيا، يتمثل التحدي في الحفاظ على خطاب إسلامي متوازن لا يضر بالعلاقات الدولية ولا يضع البلاد في محور استقطاب إقليمي.
مواقف تعكس إعادة تشكيل الإسلام السياسي في آسيا
تكشف مواقف الأحزاب والحركات الإسلامية في الهند وبنغلاديش وماليزيا عن مرحلة جديدة في تطور الإسلام السياسي، حيث لم يعد الخطاب موحداً أو أيديولوجياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بالسياق المحلي والدولي.
فبينما يقترب بعضها من خطاب التعاطف الإنساني مع إيران، يختار البعض الآخر الحياد أو الدبلوماسية، ما يعكس تحولاً من الهوية الأيديولوجية الصلبة إلى براغماتية سياسية أكثر مرونة.
ومع استمرار الحرب، يبدو أن هذه التباينات ستزداد عمقاً، مما يعيد رسم خريطة المواقف الإسلامية في آسيا خلال المرحلة المقبلة.






