لم تعد نيران المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط محصورة في آبار النفط أو منصات الصواريخ، بل امتد لظاها ليحرق أرباح أباطرة الأناقة والرفاهية عالمياً، مسببةً خسائر فادحة ناهزت 100 مليار دولار من القيمة السوقية للشركات الكبرى.
وكشفت الحرب عن هشاشة “اقتصاد الثروة” أمام الزلازل الجيوسياسية، حيث تلقت أسهم شركات السلع الفاخرة صدمة عنيفة أدت لتراجعها بنسبة تجاوزت 15%، في تحول دراماتيكي يعكس ارتباك شهية الإنفاق المرتبط بالثروات المرتفعة.
إن هذا القطاع، الذي كان يتهيأ لتجاوز عتبة 489 مليار دولار من الإيرادات عام 2026، بات اليوم يواجه واقعاً مريراً مع تحول منطقة الشرق الأوسط من “محرك نمو” واعد سجل أسرع معدلات توسع عالمية، إلى ساحة مواجهة تعيد رسم خريطة الطلب والاستهلاك الفاخر.
وأبرزت تقارير شبكة “سي إن بي سي” ووكالات الأنباء العالمية حجم الكارثة التي حلت بعمالقة الصناعة؛ إذ تبخرت أكثر من 40 مليار دولار من القيمة السوقية لشركتي “أل في أم أتش” و”هيرمس” وحدهما، اللتين سجلتا تراجعات حادة في أسهمهما بلغت 16% و20% على التوالي خلال مارس الماضي.
ولم تكن قطاعات الساعات والمجوهرات، الأكبر حجماً في السوق بقيمة تقترب من 165 مليار دولار، بمعزل عن هذه الهزة، حيث تأثرت بشدة نتيجة تراجع الإنفاق السياحي واضطراب مراكز الثقل في الأسواق التقليدية مثل أوروبا والصين.
وفي مشهد يعكس حجم الشلل اللوجستي، اضطرت شركات سيارات عملاقة مثل “فيراري” و”بنتلي” و”مازيراتي” إلى تعليق تسليم سياراتها للشرق الأوسط، وسط تأكيدات بأن الأولويات في المنطقة تبدلت من البحث عن الرفاهية إلى مراقبة تداعيات الصراع.
وفي سياق متصل، أدت “اختناقات الشحن” الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز إلى ضربة موجعة في قلب سلاسل التوريد العالمية، حيث تكدست شحنات السيارات الفاخرة من طراز “لامبورغيني” و”فيراري” في موانئ بعيدة مثل سريلانكا والصين بعد تعذر وصولها إلى دبي، التي تمثل المركز الرئيسي لإعادة التوزيع الإقليمي.
وتؤكد تقارير “مورغان ستانلي” أن دبي، التي تستحوذ على 80% من سوق الإمارات وأكثر من نصف نمو القطاع في المنطقة، باتت تعاني من تعطل مسارات الشحن وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، مما أدى لتأخر وصول البضائع وارتفاع أسعارها بنسب غير مسبوقة.
هذا الواقع الجديد كشف عن هشاشة التجارة البينية بين اليابان وكوريا الجنوبية من جهة والإمارات من جهة أخرى، حيث تستحوذ الأخيرة على 15% من صادرات اليابان من المركبات الفاخرة المستعملة.
ويرى خبراء الاقتصاد الدولي أن الحرب الحالية أعادت تشكيل بنية السوق بشكل قسري، محولةً مراكز الثقل نحو استقرار نسبي في الأمريكتين نتيجة إعادة توجيه الإنفاق المحلي، بينما تواصل أوروبا انكماشها بنسب وصلت إلى 3%.
ويؤكد المحللون أن خسارة 100 مليار دولار ليست مجرد رقم عابر، بل هي مؤشر على “تغيير هيكلي” في أنماط الاستهلاك العالمي، حيث تراجع الطلب في الشرق الأوسط بفعل المخاطر الأمنية واللوجستية، مما أدى لإضعاف القوة الشرائية وتباطؤ التجارة الإلكترونية التي كان من المفترض أن تستحوذ على 15% من إجمالي الإيرادات.
إن قطاع السلع الفاخرة، الذي يعيش على “الاستقرار النفسي” للمستثمرين، بات اليوم رهينة لمآلات الصراع العسكري، بانتظار فجر جديد قد يعيد البريق المفقود لأسواق دبي والرياض بعد صدمة “هرمز” العنيفة.
المصدر: رويتر- وكالات


