في عالم اللغة، حيث تمتزج الأصوات بالفكر، وتتحول الإشارات إلى كلمات، يأتي كتاب “نشأة اللغة عند الإنسان والطفل” ليقدّم رؤية علمية تجمع بين الفكر اللغوي القديم والاتجاهات الحديثة في اللسانيات وعلم النفس والاجتماع.
فاللغة، كما يوضح المؤلف، ليست مجرد ألفاظ نلوكها، بل هي وعاء العقل ومرآة الحضارة، وأداة التطور الإنساني.
مضمون الكتاب
يقسم المؤلف بحثه إلى قسمين رئيسيين:
أولاً: نشأة اللغة عند الإنسان
يناقش المؤلف النظريات التي حاولت تفسير كيف تكلم الإنسان لأول مرة:
نظرية المحاكاة التي ترى أن اللغة بدأت بمحاكاة أصوات الطبيعة.
النظرية الانفعالية التي تربط اللغة بالصرخات الناتجة عن الفرح أو الألم أو الخوف.
النظرية الاجتماعية التي تمثل أقرب التفسيرات إلى روح الكتاب، حيث يرى أن اللغة وليدة الحاجة إلى التفاهم وتنظيم الحياة داخل الجماعة.
كما يستعرض أثر الدين والأساطير والفلسفة في محاولات فهم أصل اللغة، ويطرح السؤال الذي شغل الفلاسفة واللاهوتيين: هل اللغة وحي إلهي أم ابتكار إنساني؟ ويخلص إلى أن اللغة نتاج التفاعل الاجتماعي، وتطورت بتطور الفكر والعمران.
ثانياً: نشأة اللغة عند الطفل
يتتبع المؤلف المراحل الدقيقة التي يمر بها الطفل في اكتساب اللغة:
مرحلة البكاء والصرخات الأولى.
مرحلة المناغاة واللعب بالأصوات.
مرحلة الكلمة الواحدة التي قد تحمل معنى جملة كاملة.
مرحلة الجملة القصيرة.
مرحلة التعبير الكامل حيث تكتمل القدرة اللغوية.
ويبرز أن تطور الطفل في تعلم الكلام صورة مصغّرة لتطور الإنسانية في ابتكار اللغة، فالطفل يعيد مسيرة أجداده منذ الأصوات البدائية إلى الجمل المعقدة. كما يوضح الدور الحيوي للبيئة الاجتماعية في تشكيل لغة الطفل، فالأسرة والمدرسة والمجتمع هم من يثرون معجمه اللغوي.
الفكرة الأساسية
يريد المؤلف أن يثبت أن اللغة ليست معطى فطرياً ولا هبة جامدة، بل هي ثمرة التفاعل الإنساني والاجتماعي، تنمو كما ينمو العقل مع الخبرة والتجربة. إنها نتاج مشترك، تصنع الإنسان بقدر ما يصنعها الإنسان.
أهم المقولات
“الفكر واللغة توأمان؛ يولد أحدهما بولادة الآخر، ولا ينمو أحدهما بمعزل عن الآخر.”
“تطور اللغة عند الطفل يكرر تاريخ اللغة عند الإنسان، وكأن الفرد يختصر في سنوات طفولته مسيرة الإنسانية كلها.”
“اللغة ليست هبة طبيعية يولد بها الإنسان، وإنما هي ثمرة اجتماع وحضارة.”
فصول الكتاب
1- نشأة اللغة في الفكر القديم والحديث.
2- النظريات اللغوية في تفسير أصل الكلام.
3- العلاقة بين الفكر واللغة.
4- تطور التعبير عند الطفل.
5- دور البيئة في نمو اللغة.
6- أثر اللغة في بناء المجتمع والفكر الإنساني.
عن المؤلف
الدكتور علي عبد الواحد وافي (1895 ـ 1991) من أبرز أساتذة اللغة وعلم الاجتماع في مصر والعالم العربي. حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون في فرنسا، ثم عاد ليصبح أستاذاً في جامعة القاهرة.
له عشرات المؤلفات التي جمعت بين الفكر اللغوي والاجتماعي والفلسفي، من أبرزها: علم اللغة، فقه اللغة، علم الاجتماع، الفلسفة الاجتماعية، حقوق الإنسان في الإسلام.
وتميز بأسلوب يجمع بين الدقة الأكاديمية والطرح المبسط للقارئ.
كتب مشابهة في التراث والحديث
“الخصائص” لابن جني الذي تناول أسرار اللغة وأصولها.
“المقدمة” لابن خلدون التي عرض فيها اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية.
“محاضرات في نشأة اللغة وتطورها” لإبراهيم أنيس، وهو امتداد حديث لهذا الموضوع.
وفي الفكر الغربي نجد دراسات مثل أبحاث جان بياجيه حول تطور اللغة عند الطفل، ونظرية تشومسكي عن البنية الفطرية للغة، حيث يختلف مع المؤلف في اعتبار اللغة ملكة يولد بها الإنسان.
يأتي كتاب “نشأة اللغة عند الإنسان والطفل” ليؤكد أن اللغة معجزة إنسانية كبرى، تختزن التاريخ والفكر وتعكس الحضارة والروح. إنها مرآة العقل ووسيلة العمران. ودراسة نشأتها ليست بحثاً في الأصوات وحسب، بل هي بحث في الإنسان ذاته: كيف فكّر، وكيف تواصل، وكيف صنع حضارته.