في لحظة دراماتيكية كادت أن تعصف بخرائط الشرق الأوسط وتلقي بالاقتصاد العالمي في آتون “الكساد العظيم”، جاء إعلان وقف إطلاق النار بمثابة طوق نجاة جماعي ألقي في مياه هرمز المشتعلة قبل ساعات من “ساعة الصفر” القاتلة.
إنها “هدنة الضرورة” التي لم تكن خياراً بقدر ما كانت مخرجاً اضطرارياً لجميع الأطراف الذين وجدوا أنفسهم على حافة انتحار استراتيجي محقق.
فبين قاذفات ترامب النووية وترسانة الصواريخ الإيرانية العارمة، استقرت لغة المصالح لترسم مشهداً معقداً يطرح السؤال الجوهري في صالونات السياسة والصحافة الاقتصادية: من الذي خرج من هذه المواجهة بأكبر قدر من المكاسب؟
ورغم أن الجميع نجا من جحيم محقق، إلا أن القراءة الأولية لموازين القوى تشير إلى أن طهران قد تكون الطرف الأكثر دهاءً في استثمار حافة الهاوية لانتزاع اعترافات دولية بمرتكزات قوتها.
مقامرة ترامب والهروب من فخ غامض
استطاع الرئيس دونالد ترامب عبر هذا الاتفاق المفاجئ أن يفك الارتباط بضغوط داخلية وخارجية كانت تهدد مستقبله السياسي في مقتل؛ فقد واجه ضغطاً هائلاً من “وول ستريت” وكبار الممولين مع وصول أسعار النفط لمستويات كارثية.
وتزامن ذلك مع تململ داخل المؤسسة العسكرية من الانزلاق في حرب استنزاف برية مجهولة النتائج.
وترى وكالة “رويترز” أن ترامب أنقذ نفسه من اتهامات “إشعال العالم” ليعود لصورة “رجل الصفقات” الذي يوقف الحروب بقرارات جريئة.
وحقق تهدئة فورية في الأسواق سمحت بخفض أسعار الذهب مؤقتا-لحين الصعود مقابل الدولار- والنفط عالمياً، وهي الورقة الرابحة التي يراهن عليها لامتصاص غضب الناخب الأمريكي المتضرر من التضخم الناتج عن الأزمة الملاحية في مضيق هرمز.
إسرائيل وتحصين الجبهة الداخلية من الصواريخ
من جانبها، تنفست تل أبيب الصعداء بعد أسابيع من الشلل التام، حيث وفرت الهدنة فرصة لإنقاذ ما تبقى من البنى التحتية التي كانت هدفاً مباشراً لرشقات “فاتح” و”خيبر شكن” الإيرانية.
وتؤكد تقارير “القناة 13” الإسرائيلية أن حالة الرعب والهلع التي سكنت الشوارع الإسرائيلية، وتكدس المستوطنين في الملاجئ خوفاً من استهداف المفاعلات النووية والجسور الحيوية، بدأت تتحول إلى موجة من الامتعاض الشعبي ضد الحكومة التي وضعت الجبهة الداخلية في مواجهة مباشرة مع قوة صاروخية غير مسبوقة.
إن الهدنة منحت نتنياهو فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق الدفاعية بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن “القبب الحديدية” لا تملك حلولاً مطلقة أمام استراتيجية الإغراق الصاروخي التي كانت تهدد بتهديم أسس المدن الكبرى.
إيران والانتصار السياسي بانتزاع حق التخصيب
أما إيران، فقد خرجت من هذه الجولة بمكاسب استراتيجية تجعلها الطرف الأكثر ربحاً في ميزان السياسة؛ حيث نجحت في حماية بنيتها التحتية ومدنييها من حملة جوية أمريكية كانت ستستهدف محطات الكهرباء والجسور، والأهم من ذلك أنها أثبتت قدرتها على إغلاق شريان الطاقة العالمي (مضيق هرمز) بقرار سيادي.
وتشير تحليلات صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن البند السري الرئيسي في المقترح الإيراني، والمتعلق بانتزاع اعتراف ضمني بحق تخصيب اليورانيوم، يمثل تراجعاً تاريخياً لواشنطن أمام “الأمر الواقع” النووي الإيراني.
لقد استغلت طهران الأزمة لتثبيت قواعد اشتباك جديدة، حيث باتت الهدنة ترتبط برفع القيود عن العراق والسماح بتدفقات النفط، مما عزز مكانتها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه أو كسر إرادته بالقوة العسكرية الصرفة.
هدوء حذر فوق برميل بارود مؤجل
تبقى “هدنة الأسبوعين” بمثابة استراحة محارب فوق برميل بارود لم تفرغ محتوياته بعد، بل تم تأجيل انفجاره فقط؛ فالعالم الذي يراقب تراجع أسعار النفط وانفراجة ممرات الشحن يعلم يقيناً أن مخاطر النووي وتصريحات ترامب المتقلبة لا تزال تخيم على المشهد.
إن الربح الإيراني الواضح في هذه الجولة يضع الإدارة الأمريكية أمام تحدي “اليوم التالي”، حيث أثبتت طهران أن صواريخها قادرة على فرض التهدئة كما واجهت الحرب.
وسيبقى السؤال قائماً في مراكز البحث الدولية: هل هذه الهدنة هي بداية لسلام دائم واتفاق نووي جديد، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية سمحت للجميع بالنجاة مؤقتاً قبل العودة لمربع الصدام الأكبر؟
الأيام المقبلة وحدها هي من سيكشف ما إذا كانت “ساعة الصفر” قد تم إيقافها حقاً، أم أن عقاربها لا تزال تتحرك ببطء خلف ستار الدبلوماسية الهشة.


