تراجعت فرص عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، خلال الجولة الآسيوية المرتقبة لترمب هذا الشهر، في ظل تداعيات الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، إلى جانب مؤشرات متزايدة على عدم رغبة بيونغ يانغ في استئناف الحوار مع واشنطن.
وأسفرت الانتخابات التي جرت في الثالث من نوفمبر عن انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الحزب الديمقراطي، في انتكاسة سياسية لترمب خلال العامين الأخيرين من ولايته، بما يمنح المعارضة قدرة أكبر على تعطيل تشريعاته وممارسة الرقابة على إدارته والتأثير في تمرير التعيينات.
وكان ترمب قد أبدى في وقت سابق اهتماماً بلقاء كيم خلال زيارته الآسيوية، قائلاً إن الاجتماع المحتمل سيكون مثيراً، قبل أن يبدي شكوكاً في أكتوبر الماضي بشأن وجود رغبة من الجانب الكوري الشمالي في عقد اللقاء، مع تأكيده أن علاقته الشخصية بالزعيم الكوري الشمالي جيدة.
لكن تصريحات كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وأحد أبرز المسؤولين المؤثرين في بيونغ يانغ، أظهرت فتوراً تجاه المبادرات الأميركية، إذ أكدت أن بلادها ليست بحاجة إلى لقاء أشخاص تصفهم بغير الموثوق بهم والعدائيين، مشيرة إلى أن الحوار لا يتوافق بالضرورة مع المصالح الوطنية لكوريا الشمالية.
وجاءت تصريحاتها عقب إعلان مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مسؤولية كوريا الشمالية عن سرقة أصول رقمية تتجاوز قيمتها 6 مليارات دولار من منصة «بينانس» للعملات المشفرة، وهي اتهامات وصفتها بيونغ يانغ في وقت سابق بأنها استفزاز سياسي.
بيونغ يانغ ترفع سقف شروطها
ويرى ليم أول تشول، الأستاذ بمعهد الدراسات الشرق آسيوية بجامعة كيونغنام في كوريا الجنوبية، أن تصريحات كيم يو جونغ تعكس انتقال بيونغ يانغ من موقف دفاعي إلى موقف هجومي، مستغلة اتهامات الهجوم الإلكتروني لانتقاد مجمل السياسة الأميركية تجاهها.
وتأتي هذه التطورات في ظل اختلاف واضح عن الأجواء التي أحاطت بالمفاوضات السابقة بين ترمب وكيم، بعدما انتهت قمة هانوي عام 2019 دون اتفاق، وعاد الزعيم الكوري الشمالي إلى بلاده عقب مفاوضات لم تحقق تقدماً بشأن الملف النووي والعقوبات المفروضة على بلاده.
وبحسب ليم أول تشول، فإن الحفاظ على الوضع القائم قد يكون الخيار الأفضل لكيم في المرحلة الحالية، خصوصاً مع تراجع الحوافز التي قد تدفعه إلى الدخول في مفاوضات جديدة مع واشنطن.
ويرى محللون أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس قد تزيد شكوك بيونغ يانغ بشأن قدرة ترمب على تنفيذ أي تفاهمات طويلة الأمد، في ظل اتساع الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة.
وتوقع يانغ مو جين، الرئيس السابق لجامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، أن يواصل ترمب السعي إلى عقد لقاء مباشر مع الزعيم الكوري الشمالي، لكنه أشار إلى أن تراجع نفوذ الرئيس الأميركي والانقسام داخل واشنطن سيؤثران في حسابات بيونغ يانغ.
من جانبه، قال مايكل بوساك، المدير المؤسس لمعهد «بارلي» للسياسات والمسؤول السابق في الأمم المتحدة، إن كوريا الشمالية قد تشكك في قدرة الإدارة الأميركية على تقديم ضمانات تستمر بعد انتهاء ولاية ترمب في يناير 2029.
وأضاف أن النظام الكوري الشمالي يسعى إلى تغييرات جوهرية ومستدامة في السياسة الأميركية، وليس مجرد تفاهمات مرتبطة بشخص الرئيس الحالي.
تحالفات جديدة تعزز موقف كوريا الشمالية
ولا تقتصر أسباب فتور بيونغ يانغ على نتائج الانتخابات الأميركية، إذ أسهم تقاربها المتزايد مع روسيا والصين في تعزيز موقعها التفاوضي وتقليل اعتمادها على فتح قنوات تفاوض مع واشنطن.
وفي هذا السياق، أشار تقدير للبنك المركزي الكوري الجنوبي صدر في يوليو الماضي إلى نمو اقتصاد كوريا الشمالية بأكثر من 3% للعام الثالث على التوالي في 2025، مرجعاً ذلك بصورة أساسية إلى توسع التعاون الاقتصادي مع روسيا.
ويظل الملف النووي العقبة الأبرز أمام أي تقدم محتمل في العلاقات بين واشنطن وبيونغ يانغ، بعدما أكدت الأخيرة مراراً رفضها مناقشة التخلي عن ترسانتها النووية، ووصفت وضعها دولة نووية بأنه أمر محسوم.
وفي سبتمبر الماضي، أعلنت كيم يو جونغ أن الوضع النووي لبلادها أصبح مطلقاً، وانتقدت من يواصلون المطالبة بنزع السلاح النووي الكوري الشمالي.
في المقابل، طرح الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ مقاربة تقوم على تجميد البرنامج النووي لكوريا الشمالية بدلاً من المطالبة بإزالته فوراً، مقابل تخفيف العقوبات، إلا أن هذا الطرح يواجه تحديات سياسية، خصوصاً مع تمسك الديمقراطيين الأميركيين بهدف نزع السلاح النووي وامتلاك الكونغرس صلاحيات مؤثرة في ملف العقوبات.
ويرى ليم أول تشول أن استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، إلى جانب تجربة المفاوضات السابقة مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن، قد يدفع بيونغ يانغ إلى مواصلة تطوير قدراتها النووية باعتبارها ضمانة استراتيجية لا تتأثر بتغير الإدارات الأميركية.
وتزامن ذلك مع تنفيذ كوريا الشمالية سلسلة اختبارات عسكرية خلال الأسابيع الأخيرة، شملت رؤوساً حربية عنقودية وطائرات هجومية مسيّرة ونظام طوربيدات موجهة، إلى جانب صاروخ فرط صوتي متوسط المدى، في مؤشرات على استمرار تطوير قدراتها العسكرية بصرف النظر عن فرص استئناف الحوار مع واشنطن.







