إذا نظرنا إلى المشهد الليبي خلال الأسابيع الأخيرة، وربطنا بين لقاءات مالطا غير المعلنة، ثم زيارة مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس إلى طرابلس وبنغازي، ثم اللقاء المباشر مع المشير خليفة حفتر، فإننا أمام مرحلة تختلف عن كل المبادرات السابقة. فما يجري لا يبدو مجرد وساطة أمريكية تقليدية، وإنما محاولة لإعادة هندسة موازين القوى الليبية قبل الانتقال إلى أي استحقاق سياسي أو انتخابي.
أولاً.. واشنطن انتقلت من إدارة الأزمة إلى محاولة هندسة الحل
التحرك الأمريكي هذه المرة لا يعتمد على الأمم المتحدة فقط، بل يسير في مسار موازٍ لها. فواشنطن لم تبدأ بحوار مفتوح بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وإنما اتجهت مباشرة إلى الشخصيات صاحبة النفوذ الحقيقي على الأرض.
ولهذا ظهر في المشهد:
- خليفة حفتر في الشرق.
- صدام حفتر باعتباره أحد أبرز اللاعبين العسكريين.
- عبد الحميد الدبيبة.
- قيادات عسكرية وأمنية مؤثرة.
وهذا يعكس قناعة أمريكية بأن مراكز القوة الفعلية أصبحت خارج المؤسسات التقليدية.
ثانياً.. لقاء بنغازي رسالة اعتراف بدور حفتر
زيارة مسعد بولس إلى بنغازي تحمل دلالات سياسية أكبر من مضمون البيان الرسمي.
فالولايات المتحدة، التي كانت لسنوات تتعامل بحذر مع القيادة العامة، أصبحت اليوم تعتبر حفتر شريكاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.
ولهذا ركز البيان على ثلاثة عناوين:
- توحيد المؤسسات.
- الانتخابات.
- الاستقرار.
وهذه هي نفسها عناوين المبادرة الأمريكية التي يجري تداولها منذ أشهر.
بمعنى آخر، فإن واشنطن أصبحت تتعامل مع حفتر باعتباره الضامن الرئيسي لإنجاح أي إعادة هيكلة للمؤسسة العسكرية.
ثالثاً.. هل أصبح الدبيبة أقرب إلى التفاهم؟
رغم التصريحات المتشددة الصادرة من بعض القوى في الغرب الليبي، فإن الوقائع تشير إلى أن حكومة الوحدة لم تغلق باب التفاوض.
بل إن لقاءات مالطا أظهرت استمرار قنوات الاتصال بين ممثلي الشرق والغرب.
ويبدو أن عبد الحميد الدبيبة يحاول تحقيق معادلة صعبة:
- عدم خسارة الدعم الأمريكي.
- وعدم خسارة القوى المسلحة داخل طرابلس ومصراتة.
ولهذا يستمر في رفع سقف التصريحات داخلياً، بينما يترك باب التفاوض مفتوحاً.
رابعاً.. العقبة الحقيقية لم تعد شرقاً وغرباً
خلال السنوات الماضية كان الانقسام بين الشرق والغرب هو المشكلة الأساسية.
أما اليوم فأصبحت الأزمة أكثر تعقيداً.
فالشرق نفسه يشهد تنافساً داخل معسكره حول من يقود المرحلة المقبلة.
والغرب يعاني انقساماً بين:
- حكومة الوحدة.
- المجلس الرئاسي.
- التشكيلات المسلحة.
- القوى السياسية في مصراتة وطرابلس.
وبالتالي فإن نجاح أي مبادرة أمريكية أصبح مرتبطاً أولاً بتوحيد كل معسكر داخلياً.
خامساً.. لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
هناك عدة عوامل دفعت الإدارة الأمريكية إلى تسريع التحرك:
- حماية تدفقات النفط الليبي.
- منع تمدد النفوذ الروسي في الشرق الليبي.
- احتواء النفوذ التركي داخل الغرب الليبي ضمن تفاهمات جديدة.
- تأمين جنوب المتوسط في ظل التوترات الإقليمية.
- تجهيز ليبيا للدخول في مرحلة إعادة الإعمار والاستثمار.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي غير المسبوق خلال الأسابيع الأخيرة.
سادساً.. هل الانتخابات قريبة؟
حتى الآن لا تبدو الانتخابات أولوية زمنية بقدر ما هي نتيجة لعملية سياسية أطول.
فالولايات المتحدة تدرك أن إجراء انتخابات قبل توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية قد يعيد البلاد إلى مربع الصراع.
ولهذا يبدو أن الترتيب المتوقع سيكون:
- توحيد بعض المؤسسات السيادية.
- الاتفاق على حكومة انتقالية جديدة أو حكومة موحدة.
- إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية.
- ثم إصدار القوانين الانتخابية.
- وبعدها تحديد موعد الانتخابات.
سابعاً.. السيناريوهات المتوقعة خلال الأشهر المقبلة
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً –
استمرار المفاوضات الأمريكية بعيداً عن الإعلام، مع عقد جولات جديدة تجمع شخصيات من الشرق والغرب، والتوصل إلى تفاهم تدريجي بشأن الحكومة والمؤسسة العسكرية، دون إعلان اتفاق شامل في المدى القريب.
السيناريو الثاني
تتعثر المفاوضات نتيجة رفض بعض التشكيلات المسلحة أو اعتراض أطراف سياسية ترى أن المبادرة الأمريكية تقلص نفوذها، ما يؤدي إلى استمرار الوضع القائم مع بعض التوترات الأمنية المحدودة.
السيناريو الثالث
حدوث اختراق سياسي كبير برعاية أمريكية وإقليمية يفضي إلى إعلان خارطة طريق جديدة تتضمن حكومة موحدة وجدولاً زمنياً للانتخابات، وهو سيناريو يتطلب توافقاً واسعاً بين الفاعلين المحليين والدوليين.
قراءة ختامية
لقاء بنغازي لا يمكن اعتباره اجتماعاً بروتوكولياً، بل يمثل حلقة ضمن مسار تفاوضي بدأ منذ أشهر ويتطور تدريجياً. المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن تسعى إلى بناء تفاهمات مع أصحاب النفوذ الفعلي قبل طرح أي مبادرة مكتوبة، وهو ما يمنحها فرصة أكبر لتجاوز التعقيدات التي واجهت المبادرات السابقة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف الليبية على تقديم تنازلات متبادلة، وبمدى توافق القوى الإقليمية والدولية المؤثرة. لذلك، فإن الأشهر المقبلة قد تشهد مزيداً من اللقاءات والاتصالات السياسية والعسكرية، مع احتمال تحقيق تقدم تدريجي في ملف توحيد المؤسسات، لكن الوصول إلى تسوية نهائية أو انتخابات شاملة لا يزال يتطلب معالجة ملفات معقدة تتعلق بتقاسم السلطة، وهيكلة المؤسسة العسكرية، وضمانات تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.


