دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة مع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، لكن السؤال الأبرز لم يعد يتعلق بحجم المظاهرات، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير فعلي داخل هرم السلطة، أو إعادة رسم المشهد السياسي الذي تغيّر جذريًا منذ عام 2021.
احتجاجات اجتماعية تتحول إلى رسالة سياسية
بدأت موجة الاحتجاجات الحالية مدفوعة بعوامل اقتصادية واضحة؛ أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمات الكهرباء والمياه خلال موجة الحر، لكنها سرعان ما اكتسبت بعدًا سياسيًا، مع رفع شعارات تطالب بإنهاء حكم الرئيس قيس سعيّد وعودة المؤسسات الديمقراطية التي جرى حلها أو إعادة تشكيلها خلال السنوات الماضية.
وتشير التطورات إلى أن المعارضة استطاعت هذه المرة توحيد جزء من خطابها حول الملف الاقتصادي، باعتباره القضية الأكثر تأثيرًا على الرأي العام، بدل الاكتفاء بالحديث عن الحريات والدستور كما كان الحال في السنوات السابقة.
ورغم ذلك، فإن حجم الاحتجاجات لا يزال أقل بكثير من موجات الحراك التي شهدتها تونس في 2011 أو حتى في السنوات الأولى بعد الثورة، كما أن الأجهزة الأمنية ما زالت تفرض سيطرة كاملة على المشهد، في ظل غياب انقسامات مؤسسية داخل الدولة.
هل تصل الاحتجاجات إلى إسقاط الحكومة أو تهدد الرئيس؟
سياسيًا، تختلف الحالة التونسية الحالية عن تجارب عربية أخرى؛ إذ إن مركز القرار التنفيذي أصبح متمركزًا بصورة كبيرة في مؤسسة الرئاسة بعد الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد منذ يوليو 2021، وهو ما جعل تأثير أي تغيير حكومي محدودًا مقارنة بالماضي.
لذلك، فإن أي تعديل أو تغيير للحكومة لن يكون كافيًا لامتصاص الغضب الشعبي إذا استمرت الضغوط الاقتصادية، لكن في المقابل لا توجد حتى الآن مؤشرات عملية على أن الاحتجاجات قادرة على تهديد بقاء الرئيس نفسه في السلطة.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل؛ أبرزها غياب قيادة موحدة للحراك، وعدم وجود بديل سياسي يحظى بإجماع واسع، إضافة إلى استمرار سيطرة مؤسسات الدولة الأمنية والإدارية، فضلًا عن تراجع الزخم الشعبي مقارنة بسنوات “الربيع العربي”.
وفي المقابل، تكمن خطورة الاحتجاجات في استمرارها واتساعها جغرافيًا، خاصة إذا تزامنت مع مزيد من التدهور الاقتصادي أو تعثر الإصلاحات المالية، وهو ما قد يدفع قطاعات اجتماعية جديدة إلى الانضمام للحراك، ويزيد الضغوط الداخلية والخارجية على السلطة.
وبناءً على المعطيات الحالية، تبدو الاحتجاجات قادرة على إرباك الحكومة وزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية عليها، لكنها لا تمثل في الوقت الراهن تهديدًا مباشرًا لبقاء الرئيس قيس سعيّد في السلطة، ما لم تتحول إلى حركة احتجاجية وطنية مستمرة تضم النقابات والاتحاد العام للشغل وقطاعات واسعة من المجتمع، وهو سيناريو لا تظهر مؤشراته الحاسمة حتى الآن


