بعد أشهر من العمليات العسكرية ضد إيران، بدأت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعادة ترتيب أدوات الضغط على طهران، مع تراجع أولوية توسيع الضربات العسكرية مقابل تصاعد الرهان على العقوبات واستنزاف الاقتصاد الإيراني.
ويعكس هذا التحول محاولة من واشنطن للضغط على القيادة الإيرانية من دون الانزلاق إلى جولة عسكرية جديدة واسعة، في وقت أصبحت فيه كلفة الحرب أكثر حضوراً في الحسابات الأميركية، سواء على مستوى مخزونات الأسلحة أو أسعار الطاقة أو الاستحقاقات السياسية الداخلية.
وأظهر ترمب هذا التوجه في تصريحات لموقع «أكسيوس»، حين قال إن إدارته تتعامل مع إيران «بهدوء»، وتراقب الضغوط الاقتصادية التي تواجهها، بدلاً من التركيز على التهديد بعمليات عسكرية واسعة جديدة.
الخزانة في صدارة المواجهة
برز وزير الخزانة سكوت بيسنت بوصفه أحد أبرز الأصوات داخل الإدارة الداعية إلى مواصلة الضغط الاقتصادي على طهران. وتقوم مقاربته على تشديد العقوبات، وتقليص عائدات صادرات النفط، واستهداف شبكات التمويل الإيرانية، بما يؤدي إلى إضعاف قدرة طهران على تمويل أنشطتها وإعادة بناء قدراتها العسكرية.
ووفق تقارير أميركية، يرى هذا الاتجاه داخل الإدارة أن العقوبات تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها، وأن زيادة الضغط المالي قد تمنح واشنطن وسيلة لإجبار إيران على تقديم تنازلات من دون تحمل كلفة حرب مفتوحة.
ولا يعني ذلك، في المقابل، التخلي عن الخيار العسكري. فالبنتاغون لا يزال يحتفظ بقدراته وخياراته في حال فشل المسار الدبلوماسي أو قررت الإدارة أن الضغوط الاقتصادية لم تحقق أهدافها.
أربعة عوامل وراء التحول
ساهمت أربعة عوامل رئيسية في إعادة حسابات واشنطن.
أولها استنزاف مخزونات الذخائر الأميركية خلال العمليات العسكرية. فقد دفع حجم الاستهلاك البنتاغون إلى تسريع برامج إعادة بناء المخزون، وهو ما أظهر أن استمرار الحرب لفترة طويلة يفرض ضغوطاً على منظومة الصناعات الدفاعية الأميركية، حتى مع التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة.
أما العامل الثاني فهو ارتفاع أسعار النفط والوقود. فكل تصعيد في منطقة الخليج ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة، وهو ما يجعل تداعيات الحرب أكثر حساسية بالنسبة إلى الإدارة والناخب الأميركي.
ويأتي الاستحقاق الانتخابي ثالثاً. فانتخابات التجديد النصفي تقترب، وسيكون الاقتصاد وأسعار الوقود والتضخم من أبرز الملفات التي سيحاسب الناخبون الإدارة عليها. واستمرار الحرب من دون نهاية واضحة قد يمنح خصوم ترمب ورقة سياسية لمهاجمة كلفة المواجهة.
أما العامل الرابع، فهو تزايد نفوذ بيسنت في صياغة السياسة تجاه إيران. فوزير الخزانة يدفع باتجاه منح العقوبات وقتاً أطول لإحداث أثرها، مستنداً إلى أن تراجع الإيرادات والموارد قد يحد من قدرة طهران على إعادة بناء قدراتها العسكرية.
هل تكفي العقوبات؟
لا توجد قناعة موحدة في واشنطن بأن الضغط الاقتصادي قادر بمفرده على تغيير الحسابات الإيرانية.
ويرى الجنرال المتقاعد جاك كين أن الإدارة الأميركية قد تبالغ في تقدير قدرة العقوبات والحصار الاقتصادي والبحري على إجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية. ويشير إلى أن إيران لا تزال تملك أوراقاً مهمة، وفي مقدمتها قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
ويعتقد كين أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يدفع القيادة الإيرانية إلى مزيد من التشدد، خصوصاً إذا حاولت استغلال الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
في المقابل، يدعم آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق في قضايا الشرق الأوسط، استمرار الضغط الاقتصادي، معتبراً أنه قد يكون الخيار الأقل كلفة بين البدائل المتاحة أمام ترمب في المرحلة الحالية.
ويذهب ماكس بوت، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، إلى أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية عندما لا تكون مرتبطة بهدف سياسي قابل للتحقق. فاستمرار الضربات يرفع الكلفة والمخاطر، ولا يضمن بالضرورة تحقيق تسوية طويلة الأمد.
هرمز ورقة إيران الأقوى
يبقى مضيق هرمز أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها طهران. فالمضيق يمثل ممراً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة يمكن أن يرفع أسعار النفط ويزيد الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة.
وتدرك إيران في المقابل أن استخدام هذه الورقة ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي استمرار إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة إلى مزيد من الضغوط الدولية عليها، ويزيد احتمالات الرد العسكري الأميركي.
وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز، إن الاقتصاد أصبح أحد أهم ميادين المواجهة بين واشنطن وطهران، مشيرة إلى أن العقوبات تستهدف الإيرادات الإيرانية وقدرة البلاد على إعادة بناء قدراتها العسكرية وتمويل شبكاتها الإقليمية.
لكنها تحذر في الوقت نفسه من أن الضغط الاقتصادي لن يكون كافياً لإنتاج تسوية مستقرة ما لم يقترن بمسار سياسي واضح.
استراتيجية بين الحرب والتفاوض
تكشف السياسة الأميركية الحالية عن محاولة للموازنة بين خيارين: إبقاء التهديد العسكري قائماً، ومنح العقوبات فرصة لإحداث تأثير أكبر.
وبذلك تنتقل إدارة ترمب من استراتيجية تعتمد بصورة أكبر على الضربات إلى مقاربة تستخدم القوة العسكرية كخلفية للضغط الاقتصادي والدبلوماسي.
غير أن نجاح هذا الرهان لا يزال غير محسوم. فقد أضعفت العمليات الأميركية جانباً من القدرات الإيرانية، لكنها لم تنتزع حتى الآن تنازلات استراتيجية دائمة.
وتملك طهران بدورها أوراقاً مؤثرة، من موقعها الجغرافي إلى قدرتها على التأثير في سوق الطاقة والملاحة، وهو ما يمنحها مساحة للمناورة.
وفي نهاية المطاف، يتوقف نجاح استراتيجية ترمب على قدرة واشنطن على تحويل الضغوط الاقتصادية إلى مكاسب سياسية، قبل أن تتحول كلفة الحرب نفسها إلى عبء على الإدارة الأميركية.






