تخوض السعودية معركة نفوذ صامتة بالغة التعقيد في الممرات المائية الحيوية، تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسية مع التوازنات الأمنية الدولية.
وتبرز المحاولات الحوثية المستمرة لرفع حدة التهديدات في مضيق باب المندب كذراع تنفيذية لإستراتيجية إيران الرامية لمضاعفة كلفة التنافس الإقليمي وتحويل البحر الأحمر إلى ورقة ابتزاز طاقوية.
وأمام هذه الضغوط المتصاعدة، ترسم المملكة خريطة تحرك دقيقة تعتمد على إستراتيجية “الردع المحسوب والضبط متعدد المستويات”، مما يكبح أوهام الحوثيين ويحمي خطوط الإمداد دون الاندفاع نحو مستنقع المواجهة المفتوحة.
استجابة السعودية المرنة
تستند المقاربة السعودية في التعامل مع الممر المائي الدولي إلى معادلة صلبة تقوم على “الردع المباشر والمستهدف”؛ حيث تفرض خطوطاً حمراء صارمة أمام أي تحرك يستهدف حركة الملاحة.
وتدرك الرياض أن هدف طهران هو استدراجها إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة على الشواطئ اليمنية، وهو ما ترفضه المملكة من خلال الفصل بين حماية أمن الملاحة كواجب دولي، وبين إدارة الملف اليمني عبر القنوات السياسية والدبلوماسية والأممية.
الحراك الدبلوماسي
وأكد سليمان العقيلى عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية، أن الأمم المتحدة تقود تحركات مكثفة لمنع إنهيار مسار التهدئة؛ حيث تشهد العواصم الإقليمية مشاورات متواصلة لضبط إيقاع الصراع عند حدوده الأدنى.
وفي الوقت ذاته، جاءت قرارات السلطة الشرعية اليمنية ببدء تصدير النفط وتخصيص عوائده لدعم الخدمات والرواتب لتمثل تحولاً نحو استعادة المبادرة الاقتصادية، غير أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرهوناً بتوفير مظلة أمنية حازمة في البحر الأحمر تحمي المنشآت وخطوط الشحن.
المنظومة الدفاعية
وقال: ” لم تعد حماية البحر الأحمر تعتمد على التحركات التقليدية، بل تحولت إلى منظومة ردع متطورة تمتلك فيها القطع البحرية السعودية وسائل دفاعية متقدمة قادرة على حياد هجمات الزوارق السريعة والمسيرات الانتحارية.
وتتكامل هذه القدرات مع غطاء راداري واستخباري عالي الدقة، بالتوازي مع التنسيق مع القوات البحرية المشتركة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة وتبادل بيانات الإنذار المبكر”.
التباين في الحسابات
وأشار الى أنه رغم تعافي القوات التابعة للشرعية اليمنية وتحسن جاهزيتها القتالية وتماسك صفوفها، وتطلع حلفاء الرياض لفتح جبهة شاملة لحسم الصراع بعد انحسار الدعم الخارجي للحوثيين، إلا أن المملكة تتمسك بمنظور إستراتيجي أكثر عمقاً.
فهي تركز على إدارة الأزمة بمنطق الاحتواء المحسوب والردع المركّب، منعاً لتوسع نطاق المواجهة، ومع إبقاء الخيارات السياسية قائمة للوصول إلى حل يمني شامل تحت مظلة المبادرات الدولية.
شراكات أمنية
وأضاف: ” تتلاقى الجهود السعودية مع القوى الدولية والإقليمية لتأكيد أن حماية باب المندب يمثل أولوية استراتيجية تخص الاستقرار المالي والتجاري العالمي.
وبينما يراهن الطرف الآخر على فرض واقع صدمي عبر القرصنة والتهديد، ترتكز الإستراتيجية السعودية على الجمع بين قوة الردع الميداني، ودعم المؤسسات الشرعية، وتأمين سلاسل التوريد، وهو الرهان الأكثر قدرة على صيانة أمن المنطقة ومنع الانزلاق نحو الفوضى”.
وتثبت قراءة التحركات السعودية أن حماية مضيق باب المندب لا تتأتى من خلال ردود الأفعال العسكرية الانفعالية، بل عبر هندسة ردع مركبة تجمع بين التفوق الدفاعي والتنسيق اللوجستي الدولي.
وبينما تسعى الأطراف الإقليمية لاستغلال الممرات المائية كأوراق ضغط تفاوضية، تواصل المملكة تثبيت التوازن البحري وصيانة الاستقرار الاقتصادي، مؤكدة أن أمن الملاحة الدولية خط أحمر غير قابل للتفاوض، وأن بناء الدولة اليمنية وتمكين مؤسساتها هو الطريق الأكثر استدامة لإسقاط خيارات الابتزاز وحماية حركة التجارة العالمية.






