واشنطن بوست: لهذه الأسباب اختار ترامب السعودية مركزا رئيسيا لطموحاته الخارجية

قالت صحيفة واشنطن بوست إن الوساطة السعودية في مفاوضات بالغة الأهمية تعدّ بمثابة وعد بإحياء العلاقة التي أقامها الرئيس وولي العهد خلال فترة ترامب الرئاسية الأولى.
وأشارت الصحيفة في تقرير لها ترجمته جريدة الأمة الاليكترونية إلى أنه منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب مهامه، وجدت السعودية نفسها في قلب بعض من أكثر أهدافه طموحًا في السياسة الخارجية والجيوسياسية،
وكان في مقدمة هذه الأهداف استضافة محادثات بين مسؤولين أمريكيين وروس، وتسهيل مفاوضات تهدف إلى وقف إطلاق النار في أوكرانيا، بالإضافة إلى صفقة ضخمة تتعلق بالمعادن هناك.
وقد اختار ترامب المملكة – التي يُعد ولي عهدها محمد بن سلمان حليفًا مقربًا – لتلعب دور الوسيط الودود لكن المحايد، في مساعيه لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية مع روسيا، والوصول إلى احتياطيات أوكرانيا من المعادن والنفط والغاز.

وأعلن الرئيس، يوم الثلاثاء، أنه سيسافر إلى السعودية الشهر المقبل في أول زيارة خارجية له خلال ولايته الثانية، وهي زيارة قال إنها ستتضمن إتمام اتفاق لاستثمار الرياض أكثر من تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي.
وقال ترامب للصحفيين في المكتب البيضاوي هذا الأسبوع: «لدي علاقة جيدة جدًا مع محمد والملك»، في إشارة إلى والد محمد، الملك سلمان البالغ من العمر 89 عامًا، والذي منح ابنه سلطات الخلافة.
ووصف زيارته السابقة للمملكة بأنها «يوم لا يُصدق»، وقال إنه يعود الآن من أجل خلق «كميات هائلة من الوظائف» في الولايات المتحدة.
يعتمد ترامب جزئيًا في قراره بالاستعانة بالسعودية كوسيط في مفاوضات شديدة الحساسية على علاقات ولي العهد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أن هذه الخطوة تعد بإحياء العلاقة التي أقامها الرئيس وولي العهد خلال ولاية ترامب الأولى.
يُشيد كل من ترامب ومحمد بأسلوب دبلوماسي أكثر تعاملية، يعتمد بدرجة أقل على المبادئ أو التحالفات، ويستخدم بدلاً من ذلك صفقات تجارية واستثمارية بمليارات الدولارات لتعزيز العلاقات مع الدول الأخرى.
وكان ترامب قد دافع عن محمد بعد أن خلصت وكالة الاستخبارات المركزية إلى أنه أمر بقتل الصحفي والكاتب في صحيفة «واشنطن بوست» جمال خاشقجي عام 2018. ولاحقًا، استثمر صندوق سيادي يقوده محمد 2 مليار دولار في شركة الاستثمار الخاصة بجاريد كوشنر، صهر ترامب.

وعندما يتحدث ترامب عن التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية — وهو جهد بدأ خلال ولايته الأولى لكنه توقف حاليًا بسبب الحرب في غزة — فإنه يركز على ما يقول إنه الازدهار الاقتصادي الذي سيجلبه هذا الاتفاق للشرق الأوسط.
وقال نيل كويليام، زميل مشارك في معهد تشاتام هاوس البريطاني للشؤون الدولية: «مع عودة ترامب للرئاسة، فقد أعاد السعودية إلى قلب الأمور بالفعل». وأشار إلى أن المملكة استفادت بالفعل بشكل كبير من رئاسة ترامب الثانية، لكن طموح ولي العهد في بسط النفوذ عالميًا كان أمرًا مخططًا له منذ زمن.
عين الملك سلمان محمد بن سلمان وليًا للعهد في 2017، وكان يشغل آنذاك منصب وزير الدفاع، واستحوذ على السلطة بشكل شبه فوري. ومنذ ذلك الحين، أعلن رغبته في إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وتقليص اعتماده على عائدات النفط، مع فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية وتسريع التغيير الاجتماعي.
تملك السعودية ثاني أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم، وقد استخدم ولي العهد موقعه للترويج لمشاريع «عملاقة»، منها خطة لبناء مدينة عمودية تعمل بالطاقة النظيفة، إلى جانب استقطاب الاتحادات الرياضية واستضافة مؤتمرات سياسية واقتصادية رفيعة المستوى.
وحافظ على علاقاته مع بوتين رغم محاولات الولايات المتحدة لعزل الرئيس الروسي، وساهم في تسهيل عمليات تبادل أسرى بارزة بين واشنطن وموسكو. وبعد فترة من المواجهة، وقّع محمد أيضًا اتفاقًا مع غريم السعودية الإقليمي، إيران.
في الداخل السعودي، يرى مؤيدو النظام الملكي أن تبنّي إدارة ترامب للمملكة يُعد تأكيدًا على رؤية ولي العهد لتحديث البلاد وتوسيع نفوذها.
وقال فيصل عباس، رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز» السعودية: «هذه هي المكافأة، نحن نجني ثمار إعادة توجيه سياستنا الخارجية». وأوضح أنه منذ إعادة انتخاب ترامب، شعر كثيرون في السعودية أن «النجوم قد توافقت» لصالح المملكة.
لكن السعودية لا تزال دولة شديدة الاستبداد، ولا يزال العديد من المعارضين قابعين في السجون نتيجة حملات القمع الأمني. ووفقًا لمنظمة «ريبريف» الحقوقية، فقد نفذت الحكومة العام الماضي 345 حكم إعدام، وهو أعلى عدد منذ عقود.
عبد الله العودة، المدير البارز في مركز الديمقراطية للشرق الأوسط بواشنطن والمعارض للنظام الملكي، قال إن تقارب إدارة ترامب مع السعودية مثال على تغليب المال والنفوذ على حقوق الإنسان.
وأضاف: «هذه ليست مراجعة للمواقف، بل محاولة من ولي العهد لامتصاص العاصفة»، في إشارة إلى استمرار ولي العهد في استخدام أساليب قمعية للحفاظ على سلطته.
حاتم الزهراني، باحث وأكاديمي سعودي مرتبط بمعهد الشرق الأوسط، قال إن السعوديين الداعمين للنظام يأخذون الانتقادات الغربية، لا سيما من رؤساء أمريكيين، «بشيء من السخرية». وأضاف: «نحن نعلم أن السياسة الأمريكية مسرحية».
لكن المنطقة التي توجد فيها السعودية اليوم أكثر اضطرابًا مما كانت عليه قبل سنوات، وليس من الواضح ما إذا كانت الصراعات المتصاعدة حول المملكة ستُعيق خطط محمد.
ففي حين تستمر محادثات السلام حول أوكرانيا في جدة، تتوسع الصراعات الأقرب جغرافيًا. فقد قتلت الضربات الإسرائيلية المكثفة على غزة مئات المدنيين بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي اليمن، واصلت الولايات المتحدة قصف أهداف تقول إنها مرتبطة بالحوثيين المدعومين من إيران. وهدد ترامب مرارًا باستخدام القوة العسكرية ضد إيران إذا لم توافق قيادتها على اتفاق بشأن برنامجها النووي.
ويقول حسين إبيش، الباحث المقيم في معهد دول الخليج العربي بواشنطن، إن هذه الصراعات في غزة واليمن وسوريا ولبنان تُعد «مصادر إزعاج» لطموحات السعودية.
وأضاف: «رغم كل الانتصارات الأخيرة، لا تزال الأوضاع خطيرة»، محذرًا من أن تهديدات ترامب بضرب إيران قد تؤدي إلى ردود فعل ضد المملكة أو تزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة.