في مجموعته القصصية وردة الشتاء الصادرة عن الآن ناشرون وموزعون ، لا يكتب الكاتب إبراهيم غبيش عن الفقر بوصفه حالة اجتماعية عابرة، ولا عن المرض باعتباره قدرًا فرديًا، بل ينسج عالمًا كاملًا من الهشاشة الإنسانية، حيث تتجاور الجوعى والمنفيون والمرضى فوق أرصفة الحياة الباردة. غير أن أكثر ما يميز هذه الأقصوصات هو ذلك الإحساس الثقيل بالغربة؛ الغربة التي لا تظهر كموضوع جانبي، بل كقوة خفية تحكم مصائر الشخصيات وتعيد تشكيل أرواحها من الداخل.
في «وردة الشتاء» يبدو الإنسان كائنًا مطاردًا دائمًا، لا يملك سوى جسده المنهك وذكرياته المتآكلة. شخصيات المجموعة تتحرك بين المخيمات والأسواق والشوارع الباردة، تحمل ملامح التعب أكثر مما تحمل أسماءها أو سيرها الذاتية. الكاتب لا يمنح القارئ ترف التعرّف العميق إلى أبطاله؛ بل يتركهم يمرّون سريعًا مثل عابري سبيل، تاركين خلفهم أثرًا موجعًا يشبه الحياة نفسها.
في قصة «أبو وردة» مثلًا، يصل الانكسار الإنساني ذروته حين يفقد البطل آخر ما يربطه بالعالم، فيلجأ إلى عتمة الشارع كأنها الملاذ الأخير للمنسيين. أما «الإسكافي نبيل» فيمضي نحو نهايته بصمتٍ بارد، كأن الموت تفصيل اعتيادي في حياة اللاجئين والفقراء. هنا لا توجد نهايات درامية صاخبة؛ بل سقوط هادئ يشبه انطفاء مصباح في غرفة مهجورة.
ويعتمد غبيش على لغة مقتصدة إلى أقصى حد، لغة تخلّت عن الزخرفة لصالح الجملة المبتورة والإيقاع السريع والمشهد الخاطف. تبدو القصص كأنها لقطات مأخوذة من ذاكرة مشوشة أو من حياة تُروى على عجل قبل أن تختفي. حتى الروابط بين الجمل تبدو متصدعة، وكأن الكلمات نفسها تعاني عزلة داخل النص، في انسجام لافت مع ثيمة الاغتراب التي تهيمن على المجموعة بأكملها.
ويتنقل الكاتب بين نوعين من الغربة: غربة المكان، حيث تتشظى الشخصيات بين مدن عربية وأجنبية لا تمنحها الأمان، وغربة الروح، حيث يتحول القلق والتيه إلى مونولوج داخلي دائم. ولهذا تتكرر مفردات مثل «المخيم» و«السوق» بوصفهما فضاءين دائمين للحياة المؤقتة؛ الأول رمز للذاكرة والاقتلاع، والثاني رمز للسعي القاسي وراء لقمة العيش.
ما ينجح فيه «وردة الشتاء» ليس فقط توثيق هشاشة الإنسان المنفي، بل تحويل تلك الهشاشة إلى جمال سردي حاد ومؤلم. إنها مجموعة تكتب عن البشر الذين يمرّون في الهامش، عن أولئك الذين لا يملكون رفاهية البطولة، لكنهم يحملون أثقل ما في العالم: شعورهم الدائم بأنهم غرباء، حتى عن أنفسهم.