تقترب منطقة القرن الأفريقي من واحدة من أخطر لحظاتها منذ انتهاء الحرب الإثيوبية–الإريترية، مع انتقال التوتر بين أديس أبابا وأسمرة من مرحلة الاتهامات المتبادلة والتحركات غير المباشرة إلى احتكاك عسكري متزايد على الأرض.
ومع ورود تقارير، عن انتشار قوات إريترية في مدينة أدجرات ومحيطها داخل إقليم تيجراي، بالتزامن مع استمرار القتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوى المناوئة لحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، تتزايد المخاوف من أن تتحول الحرب الداخلية الإثيوبية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وفي هذا السياق قالت المصادر وشهود عيان إن قوات إريترية انتشرت خلال الأيام الأخيرة في أدجرات، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود الإريترية، وإن بعض هذه القوات تحرك جنوباً في اتجاه ميكيلي.

غير أن هذه المعلومات لم تُتحقق منها بصورة مستقلة، كما أن تقارير ميدانية أخرى أشارت إلى وجود تحركات إريترية قرب الحدود دون إمكانية تأكيد طبيعتها وحجمها.
وتكتسب أدجرات أهمية استثنائية؛ فهي تقع على الطريق الرئيسي الذي يربط شمال تيجراي بالحدود الإريترية، ومن ثم فإن أي وجود عسكري إريتري داخلها، إذا تأكد واتسع نطاقه، سيكون تطوراً مختلفاً عن مجرد دعم غير مباشر للقوى المناوئة لأديس أبابا.
من الحرب الداخلية للمواجهة الإقليمية
من جانب أخر اندلعت المواجهات مجدداً في تيجراي في سبتمبر الماضي، بعد انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق السلام الذي أنهى حرب 2020–2022. وخلال الأسابيع الأخيرة تمكنت القوات الفيدرالية وحلفاؤها من استعادة ميكيلي، عاصمة الإقليم، بعد انسحاب قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، فيما واصلت القوات الحكومية تقدمها شمالاً باتجاه أدجرات ومناطق أخرى. وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار الاشتباكات والضربات الجوية في مناطق عدة من تيجراي.
لكن دخول إريتريا على خط الأزمة يفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة. فقد كانت أسمرة حليفاً عسكرياً لأديس أبابا خلال حرب تيجراي السابقة، قبل أن تتدهور العلاقات بين الطرفين بصورة حادة، خصوصاً بسبب الخلاف حول مستقبل الإقليم ومسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر.
وتتهم أديس أبابا إريتريا بدعم القوى المعارضة لها، بينما تنفي أسمرة الاتهامات. وفي المقابل، تشعر إريتريا بالقلق من طموحات إثيوبيا البحرية، خاصة بعد تجديد آبي أحمد تأكيده أن بلاده ستعمل على الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.
وفي هذه الأجواء المتوترة قال آبي، عقب بدء ولايته الجديدة، إن إثيوبيا ستواصل العمل للحصول على منفذ بحري وفق مبدأ “الأخذ والعطاء”.
المنفذ البحري وعقدة الصراع
منذ استقلال إريتريا عام 1993 فقدت إثيوبيا منفذها المباشر إلى البحر الأحمر، وأصبحت دولة حبيسة تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ الدول المجاورة. ولذلك تحول الحصول على منفذ بحري إلى قضية استراتيجية بالنسبة لأديس أبابا.
غير أن إريتريا تنظر بحساسية شديدة إلى أي تحرك إثيوبي يمكن أن يمنح أديس أبابا وجوداً عسكرياً أو اقتصادياً دائماً على الساحل الإريتري. ولهذا فإن استمرار آبي أحمد في طرح قضية البحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد القتال في تيجراي، يضاعف مخاوف أسمرة من أن تكون التحركات العسكرية الإثيوبية جزءاً من استراتيجية أوسع للضغط عليها.
حرب جديدة
رغم خطورة التطورات، فإن الانتقال من حرب بالوكالة أو مواجهات حدودية إلى حرب شاملة بين إثيوبيا وإريتريا ليس أمراً حتمياً، فهناك فارق كبير بين انتشار قوات إريترية داخل مناطق حدودية لأهداف أمنية أو لدعم حلفاء محليين، وبين قرار أسمرة الدخول في مواجهة مباشرة واسعة مع الجيش الإثيوبي.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في إمكانية حدوث تصعيد غير محسوب. فإذا تقدمت القوات الإثيوبية أكثر باتجاه الحدود الإريترية، أو إذا تعرضت قوات إريترية لضربات داخل الأراضي الإثيوبية، فقد تجد أسمرة نفسها أمام ضغوط للرد، بما يفتح الباب أمام دورة جديدة من التصعيد.

وتزداد خطورة السيناريو مع وجود تحالفات مسلحة متعددة داخل إثيوبيا، ومع اتهامات متبادلة بشأن تدخل دول إقليمية في الصراع. وقد حذرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من تصعيد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا ودعوا الطرفين إلى احترام سيادة كل منهما واللجوء إلى الحوار.
القرن الأفريقي أمام اختبار جديد
ويأتي هذا في الوقت الذي أجمع مراقبون علي أن المشهد الحالي لا يشير بالضرورة إلى أن الحرب الإثيوبية–الإريترية قد بدأت بالفعل، لكنه يكشف أن الحدود بين الحرب الداخلية والصراع الإقليمي أصبحت شديدة الهشاشة.
فإذا استمرت القوات الإثيوبية في التقدم شمالاً، واستمر الوجود الإريتري داخل تيجراي، وبقي آبي أحمد متمسكاً بمطلب الوصول إلى البحر الأحمر، فإن احتمال تحول تيجراي إلى ساحة مواجهة مباشرة بين أديس أبابا وأسمرة سيظل قائماً.
والأخطر أن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة بين البلدين؛ إذ يمكن أن تمتد تداعياتها إلى السودان والبحر الأحمر والصومال، وتعيد تشكيل موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق أفريقيا حساسية.
ولذلك فإن معركة أدجرات، إذا تأكدت تفاصيلها وتوسعت، قد لا تكون مجرد فصل جديد في الحرب الإثيوبية الداخلية، بل اختباراً حقيقياً لما إذا كان القرن الأفريقي مقبلاً على حرب إقليمية جديدة أم أن الدبلوماسية ستنجح في احتواء الانفجار قبل اتساعه


