نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية مقالاً افتتاحياً بعنوان السعوديون والحوثيون وإسرائيل، طرح فيه فريقها التحريري رؤية جريئة ومثيرة للجدل حول إعادة ترتيب أوراق الأمن الإقليمي. واستهل المقال بالإشارة إلى الضغوط الأمنية المتزايدة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية بسبب هجمات الحوثيين، لافتاً إلى أن هذه الثغرة قد يستغلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كفرصة حاسمة لممارسة ضغط دبلوماسي ومالي على الرياض، بهدف ابتزازها للحصول على تنازلات مالية ضخمة وإجبارها على المضي قدماً في إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، تحت غطاء تشكيل جبهة موحدة لمواجهة التهديدات المشتركة.
وفي صلب طرحها، رأت الصحيفة أن أمام الإدارة الأمريكية فرصة لتحقيق ما وصفته بكش ملك في لعبة الشطرنج الاستراتيجية، وذلك من خلال رعاية نوع من التعاون الأمني والاستخباراتي الثلاثي بين السعودية وإسرائيل والإمارات. وأكدت الصحيفة أن هذا التعاون يعد ضرورة ملحة لمواجهة إيران وجماعة أنصار الله الحوثية، مشددة على أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم إلا بمساعدة وتنسيق مباشر من القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم.
وتطرق المقال إلى تقييمه للوضع الميداني، مدعياً أن المزاعم السعودية بالسيطرة على الموقف في المنطقة تبددت تماماً بعد أن بسط الحوثيون سيطرتهم على مناطق حيوية على طول ساحل البحر الأحمر في اليمن. كما قللت الصحيفة من شأن التوجهات الاستراتيجية السعودية الأخيرة، معتبرة أن الأمل السعودي في أن تكون اتفاقية مكة للدفاع المشترك المبرمة حديثاً مع باكستان وتركيا مفيدة في هذا السياق قد تلاشى، مما يضع الرياض في حاجة ماسة إلى حلفاء أفضل. ودعمت الصحيفة هذا الطرح بالإشارة إلى أن السعوديين سعوا بالفعل للحصول على معلومات استخباراتية إسرائيلية حول الحوثيين عبر وسطاء من القيادة المركزية الأمريكية، مشيدة بفعالية إسرائيل العسكرية من خلال الإشارة إلى ضربة زعمت الصحيفة أنها وقعت في أغسطس 2025، وقضت على رئيس وزراء حكومة الحوثيين ونحو عشرة مسؤولين كبار في عملية واحدة.
وفي سياق تحليل هذه الطروحات، يقدم مايكل نايتس، الزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والمتخصص في الأمن الخليجي والدفاع الصاروخي، قراءة تدعم الجانب التقني من هذا الطرح. يشير نايتس إلى أن التكامل في أنظمة الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية المبكرة عبر مظلة القيادة المركزية الأمريكية يمثل حلاً عملياً للحد من تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية. ويوضح أن التجارب السابقة في الدفاع المشترك تتطلب قنوات اتصال مباشرة وتقنيات متطورة قد تمتلكها إسرائيل، مما يجعل التنسيق غير المباشر عبر واشنطن خياراً متاحاً تقنياً للحد من الخسائر، حتى في غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية.
في المقابل، ينتقد محللون هذا الطرح باعتباره تبسيطاً مفرطاً للتعقيدات السياسية والجيوسياسية في المنطقة، ويتجاهل المخاطر الكامنة في نهج الابتزاز. ويؤكد الدكتور عبد العزيز الغاشيان، الباحث في شؤون الخليج بمركز الدراسات الدولية في كلية كينجز لندن، أن وصف اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان وتركيا بأنها غير مجدية يعكس فهماً قاصراً للاستراتيجية السعودية. ويشير إلى أن الرياض تسعى دائماً لتنويع شراكاتها الأمنية وعدم الرهان على محور واحد، وأن التعاون مع دول إسلامية كبرى يخدم أهدافاً تتجاوز التهديد الحوثي المباشر. ويضيف الغاشيان أن أي محاولة لإجبار السعودية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل تحت الضغط تحمل تكاليف سياسية باهظة داخلياً وإقليمياً، وقد لا يضمن إنهاء التهديد الحوثي الذي يعتمد على تكتيكات لامركزية ومرنة يصعب القضاء عليها بالضربات الجوية فقط.
من جهتها، تشير باربرا ليف، مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة لشؤون الشرق الأدنى، إلى أن الاعتماد على وساطة أمريكية لتمرير معلومات استخباراتية بين الرياض وتل أبيب هو أمر معروف وممارس في الخفاء، لكنه يبقى محدوداً ولا يرتقي إلى مستوى تحالف استراتيجي معلن. وتؤكد ليف أن محاولة استخدام الأزمة الأمنية كأداة للابتزاز المالي وإكراه التطبيع تتجاهل حقيقة أن الملف الفلسطيني يظل شرطاً أساسياً وجوهرياً لأي تطبيع سعودي إسرائيلي حقيقي ومستدام، مما يجعل فكرة التعاون الثلاثي المعلن بعيدة المنال في الوقت الراهن، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من تآكل الثقة بين الحلفاء التقليديين.
ختاماً، يعكس مقال وول ستريت جورنال رغبة جزء من صناع القرار والمحللين في واشنطن في دفع المنطقة نحو تحالفات أمنية جديدة، مستفيدين من نقاط الضعف الأمنية لفرض أجندة تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية. ومع ذلك، تبقى الفجوة كبيرة بين هذه الرؤية النظرية التي تتحدث عن كش ملك سريع عبر الابتزاز، وبين الواقع الميداني والسياسي الذي يفرض على الرياض موازنة دقيقة بين حماية أمنها الوطني باستخدام كل الوسائل المتاحة، والحفاظ على ثوابتها الإقليمية وتجنب الانجرار إلى صراعات مفتوحة قد تخدم أجندات أطراف أخرى على حساب الاستقرار العربي الشامل والسيادة الوطنية.
صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية





