عادة الناس التي يوسوس بها الشيطان لهم ليصدهم عن الصدقات والتبرع بالخير هي إساءة الظن بمن يتعرض للأموال العامة ..وكثيرا ما يتداولون شبهات وادعاءات في حق هؤلاء دون تثبت ولا روية بل ربما يتخذون ردود أفعال إما بتجنب التبرع أو بالحديث وترويج الشائعات ضد أولئك الأفاضل والذين قد يكونون في غفلة عما يقال عنهم ..وهكذا – كما أشرت – ينأى الناس عن الخير ويفوتهم أبواب كثيرة من النفقة بسبب تلك الخصال وهذه الأقوال ..رأيت هذه الخصلة في بلاد متعددة من شرق الدنيا وغربها وكثيرا ما ناقشت تلك الشبهات مع من يرددونها فلم أجدها تستند على دلائل ولا تقوم على أسس.. وخرجت من ذلك بقناعة أن العامل للإسلام ينبغي عليه ألا يترك العمل لمجرد تعرضه لتلك الكلمات وليحتسب ذلك الأذى عند الله تعالى – كمثل أي أذى يصيبه-قال تعالى (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: من الآية17) ومن ناحية أخرى فليظهر التعفف وليمتنع عن أخذ مقابل عن عمله كلما استطاع إلى ذلك سبيلا أو ليجعل عمله تحت إشراف جهات متعددة ليرد بذلك عمليا عما يثار حوله من شبهات فالعامل للإسلام مؤتمن وربما وجد بين يديه أموالا طائلة بذلها الناس من أجل خدمة الدين فأعظم حال له أن يزهد فيها فلا ينظر إليها ولا يتطلع إلى الاستفادة منها بأي صورة كانت ؛ إلا ألا يجد ما يسد رمقه فعندئذ يأكل بالمعروف وبحسب ما هو متعارف عليه في ذلك لا أكثر وليحدد له أهل الاختصاص مقدار ما يستحق
وفي صحيح البخاري (*): كَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَأْخُذُ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا وَقَالَتْ عَائِشَةُ يَأْكُلُ الْوَصِيُّ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَر)
وكما أثر عن عمر: قوله ” إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم، إن استغنيت عنه تركت وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف ” قال الحافظ في الفتح وسنده صحيح. وقال الحافظ: أخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال ” كنا بباب عمر – فذكر قصة وفيها – فقال عمر: أنا أخبركم بما أستحل: ما أحج عليه وأعتمر، وحلتي الشتاء والقيظ، وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم ” …


