– قبل أن تنطلق العبارة الخالدة «هنا القاهرة» لتعلن ميلاد الإذاعة المصرية الرسمية، كانت سماء مصر تعجّ بأصوات متفرّقة خرجت من بيوت التجّار والوجهاء والهواة، في تجربة إعلامية مبكّرة: منسيّة ومجهولة!
– شهدت المدن المصرية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين حالة فريدة من الفوضى الإذاعية، حيث تنافست محطات صغيرة ومتناثرة على اجتذاب المستمعين، حاملةً مزيجًا من الأخبار والإعلانات والرسائل الاجتماعية والطرافة الشعبية، في مشهد سبق ظهور الإعلام الرسمي المنظّم بسنوات.
– اختلف الباحثون في تحديد العام الذي ظهرت فيه أول إذاعة أهلية في مصر، لكن معظم المؤرخين يؤكدون أن أول إذاعة مصرية، هي إذاعة «مصر الجديدة» سنة 1925م، أي بعد ظهور أول محطة إذاعية في العالم بـ 4 سنوات فقط، على يد الفيزيائي الإيطالي الحاصل على جائزة نوبل: «ماركوني» ومن بيته في بريطانيا، وبالاتفاق مع شركة BBC البريطانية، انطلق أول بث إذاعي، سنة 1921م.
– كانت إذاعة “مصر الجديدة” في 1925م، هي أول إذاعة أهلية معروفة، تعمل في النور، (سبقتها إذاعات صغيرة لا يُعرف أصحابها، ظهرت واختفت فجأة، وكانت تسبّ بعض التجار والسياسيين، وتذيع خطابات غرامية، وتعلن عن البضائع، واسم الـدّاية بالمنطقة، وعن اختفاء الأطفال، والطيور، والحيوانات)
– وبعد عامين، ظهرت «إذاعة سابو»، و«راديو فؤاد»..
وفي 1932م، اُفتتحت محطة «راديو الأمير فاروق»، ومحطة «فيولا» في الإسكندرية.. وراديو فوزية، ومحطات إذاعية عديدة للجاليات الغربية التي كانت تعيش في الإسكندرية والقاهرة، وكانت كل محطة تذيع بلغة جاليتها.. وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
– لا توجد دراسة شاملة للآن عن تاريخ الإذاعات الأهلية في مصر، ربما لكثرتها وعدم نفعها، فقد كانت عبارة عن (ميكرفون متطور إلى حدٍ ما، تلتقطه أجهزة الراديو في محيط كيلو متر مربع فقط) ويستطيع أي تاجر ثري، أو باشا من باشوات مصر في ذلك الزمن أن يؤسس محطة إذاعية، من بيته.. مجرد جهاز صغير في المنزل أو مدخل البيت (تحت بير السلم) يخرج منه سلك يتصل بميكرفون بث (هُورن) فوق المنزل، وأمامه رجل يمسك ورقة، ويعلن عن بضائع، ويسبّ من يريد، ويقول كل ما يخطر على باله…
– كانت المهاترات بين محطات الإذاعة الأهلية في مصر، حديث الصحافة والناس في ذلك الوقت (مثل الفضائيات الرياضية والخاصة الآن)
فقد كانت تتكلم عن مهارة (الدّاية) فلانة، وفوائد البطيخ، والجرجير، والكرُنب، وتتطاول على التجار والسياسيين المنافسين، وكان الأشدّ إثارة للجدل ما تبثّه تلك الإذاعات من شتائم واتهامات متبادلة و(معايرة) كل إذاعة للأخرى.
– لم تكن هناك (قوانين) تحكم تلك الإذاعات أو تسيطر عليها، فيستطيع أي (باشا أو إقطاعي أو تاجر) أن يشتري محطة بث إذاعي تُغطّي (كيلو متر مربع) أو أقلّ، ليسبَّ خصومه ويسخر منهم، أو محطة إذاعية من (سوق روض الفرج) تتحدث طوال اليوم عن فوائد البطيخ، وأسعار الباذنجان والبصل والبرتقال عند صاحب الإذاعة، ومهاجمة المنافسين من التجار الآخرين.
– حاولت الحكومة المصرية، آنذاك، تنظيم الإذاعات الأهلية والسيطرة عليها، لكن تلك الإذاعات قاومت بشدة، فأصحاب الإذاعات من الباشوات والتجار الكبار، وكانوا أقوى من الحكومة..
– ظلت تلك الإذاعات تؤدي عملها، رغم رفض المجتمع لها، حتى صدر قرار إلغائها، وفي يوم 29 مايو 1934م، توقفت جميع الإذاعات الأهلية في مصر، لتترك مكانها للمحطة الحكومية التي بدأت في تمام الساعة الخامسة والنصف من مساء يوم31 مايو 1934م، فأصبح هذا اليوم (عيد الإذاعة المصرية ويوم الإعلاميين)
(هُنا القاهرة)
– هي الجملة الشهيرة التي قالها المذيع أحمد سالم، وأصبحت عنوانا للبرنامج العام
وتُعدّ الإذاعة المصرية التي بدأ بثها قبل 92 عاما، من أقدم الإذاعات في العالم،
(أحمد سالم: من 20 فبراير 1910م – 10 سبتمبر 1949م، هو أول مذيع مصري بالإذاعة المصرية، وُلدَ في أبو كبير بمحافظة الشرقية، عمل ممثلًا ومنتجًا ومخرجًا وأسس ستوديو مصر، درسَ وتدرّب على الطيران فأصبح طيارًا، تزوج من المطربة أسمهان، ومن الممثلة مديحة يسري، وكذلك من الراقصة تحية كاريوكا، وأمينة البارودي، وكان صديقًا شخصيًا للملك فاروق، ومات مقتولا بالرصاص في ظروف غامضة، وعمره 39 عاما)
– شهدت هذه المرحلة إشراف وزارة المواصلات على الإذاعة، حتى إنشاء وزارة الشؤون الاجتماعية في 20 أغسطس 1939م، فأصبحت الإذاعة إحدى إداراتها، وفي 19 أبريل 1942م، أصبحت الإذاعة تابعة لإشراف وزارة الداخلية نظرا لما للإذاعة اللاسلكية من اتصال بمسائل الأمن العام، ثم انتقلت لوزارة الثقافة والإرشاد، ثم الإعلام، ثم المخابرات.
– رؤساء الإذاعة المصرية:
(سعيد باشا لطفي)
من 1934/5/31م
إلى 1947/12/22م
(محمد بك قاسم)
من 1947/12/22م
إلى 1950/8/15م
(محمد حسنى بك نجيب)
من 1950/10/30م
إلى 1952/8/12م
(محمد كامل الرحماني)
من 1952/12/4م
إلى 1953/11/23م
(محمد أمين حماد)
من 1953/12/26م
إلى 1966/5/2م، (تولّى فترتين)
(عبد الحميد فهمي الحديدي)
من 1966/5/2م
إلى 1969/12/30م
(محمد أمين حماد)
من 1969/12/31م
إلى 1971/9/2م
(عبد الرحيم سرور “ندبا”)
من 1971/5/16م
إلى 1972/4/6م
(محمد محمود شعبان)
بابا شارو
من 1972/4/7م
إلى 1975/9/25م
(صفية زكي المهندس)
من 1975/9/27م
إلى 1982/12/11م
(محمد فهمي عمر)
من 1982/12/12م
إلى 1988/3/5م
(أمين إبراهيم بسيوني)
من 1988/3/6م
إلى 1991/11/7م
(حلمي مصطفي البُلُك)
من 1991/11/8م
إلى 1994/8/7م
(فاروق محمد شوشة)
من 1994/8/8م
إلى 1997/1/9م
(حمدي الكُـنـيّسي)
من 1997/1/10م
إلى 2001/3/18م
(عمر بطيشة)
من 2001/3/19م
إلى 2005/3/18م
(إيناس جوهر)
من 2005/3/19م
إلى 2009/6/25م
(انتصار شلبي)
من 2009/6/25م
إلى 2011/4/2م
(إسماعيل الششتاوي)
من 2011/4/2م
إلى 2013/2/6م
(عادل مصطفي)
2013/2/7م
(تولّى 5 شهور فقط)
(عبد الرحمن رشاد)
من 20 / 7 / 2013م
إلى 28 أبريل 2015م
(نادية مبروك)
من 29 – 4 – 2015م،
إلى 31 مارس 2019م
(محمد نوار)
من 1 أبريل 2019م
إلى يونيو 2025م
(تم المدّ له بعد سن الستين)
(الدكتور محمد لطفي)
من يونيو 2025م،
إلى أبريل 2026م.
(عبد الرحمن البسيوني)
من 19 أبريل 2026م،
إلى الآن……
أشهر الإذاعات المصرية:
إذاعة البرنامج العام
إذاعة صوت العرب
إذاعة القرآن الكريم
إذاعة الشباب والرياضة
إذاعة الشرق الأوسط
إذاعة القاهرة الكبري
إذاعة راديو مصر
إذاعة البرنامج الثقافي
إذاعة البرنامج الموسيقى
إذاعة الأغاني
إذاعة الأخبار والموسيقى
إذاعة الكبار
إذاعة البرنامج الأوربي
إذاعة الكوميديا
إذاعة الدراما
الإذاعة التعليمية
راديو مصر
جول إف إم
راديو 9090
…..
….
إلخ
– وهكذا لم تكن الإذاعات الأهلية في مصر مجرد تجربة تقنية عابرة، بل كانت فصلًا مجهولًا من تاريخ الإعلام المصري، عكس تحولات المجتمع وتطلعاته، وكشف في الوقت نفسه الحاجة إلى إعلام أكثر تنظيمًا وتأثيرًا.
وبين فوضى البدايات وانضباط المؤسسة الرسمية، وُلدت الإذاعة المصرية لتصبح أحد أبرز أدوات تشكيل الوعي والثقافة والوجدان العام.
وبعد أكثر من تسعة عقود على انطلاقها، ما زالت الإذاعة المصرية تحتفظ بمكانتها الرمزية في الذاكرة الوطنية، رغم تعدد المنصات الإعلامية وتغير وسائل الاتصال.
فقد بقيت شاهدة على أحداث كبرى، ورافقت أجيالًا متعاقبة، وحملت أصوات كبار المبدعين والمفكرين والقراء إلى ملايين المستمعين.
ولعل استعادة تاريخ ما قبل «هنا القاهرة» يذكّرنا بأن المؤسسات الكبرى لا تولد فجأة، وإنما تسبقها دائمًا محاولات وتجارب متفرقة، بعضها ينجح وبعضها يندثر، لكنها جميعًا تمهّد الطريق للحظة الميلاد الحقيقية التي تصنع التاريخ.


