– ليست كل الصفحات التي تُكتب في لحظات التحوّل تُقرأ بالعين نفسها؛ فبينما تميل الروايات إلى رسم مشهدٍ واحدٍ متماسك لانعطافات التاريخ الكبرى، تبقى التفاصيل الصغيرة المتناثرة في أطراف الجغرافيا أكثر قدرة على كشف تعقيد اللحظة، وتباين مواقف الناس فيها.
– هكذا تبدو مصر في زمن الفتح الإسلامي: أرضًا تتحرك فيها الإرادات، وتتقاطع فيها الحسابات، بين قناعةٍ تولد، ومقاومةٍ تتشبث، وواقعٍ يتشكل على مهل.
– في مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال: من انتصر فقط؟ بل كيف تفاعلت المجتمعات مع القادم الجديد، وأيّ الطرق سلكت في القبول أو الرفض، وأيّ الأثمان دفعتها وهي تختبر موقعها في خريطة تتغير، فالتاريخ لا يروي قصة واحدة، بل أصواتًا متعددة، بعضها ينسجم سريعًا مع التحول، وبعضها يقاومه حتى الرمق الأخير.
الفتح الإسلامي
… واستسلمت مصرُ كلها لـ عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، بعد سقوط حِصن بابليون في 16 أبريل 641م، وتنافس المصريون وتسارعوا للدخول في الإسلام، إلا هذه الأماكن التي رفضت الإسلام، وظلَّت تحارب جيش عمرو بن العاص الذي قـتّـلهم وانتصر عليهم بعد عامين من الحروب المتواصلة:
1- الإسكندرية:
فقد كانت عاصمة مصر في ذلك الوقت، ومعقل الكنيسة، ويسكنها الرومان، واليونان، وصفوة المصريين.
2- مدينة سخا، بمحافظة كفر الشيخ:
كانت مدينة أثرياء مصر وجبابرتها، بسبب ثرواتها، وخصوبة أرضها الزراعية التي تأتي في مقدمة الأراضي المصرية..
وتقع على بُعد (2 كيلو متر) جنوب مدينة كفر الشيخ، واسمها الفرعوني: “خاسوت” و”إكسويز” باليونانية والرومانية، وكانت “سخا” عاصمة الإقليم السادس من أقاليم الوجه البحري، وقد كانت مـقـرًا وعاصمة للأسرة الـ14 الفرعونية.
3- قرية سنطيس (سُلْطَيْس):
إحدى القرى التابعة لمركز دمنهور (محافظة البحيرة).
– يقول كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي: (سُلْطَيْس .. بضم السين، وسكون اللام، وفتح الطاء، وياء ساكنة، وسين مهملة)
– وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي ج1/ص492: (كان أهل مصر أعوانًا للصحابي عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، على الروم، إلا أهل:
“بلهيب”
“خيس”
“سُلطَيس”
“قرطسا”
“سخا”
فإنهم أعانوا “الروم” على المسلمين، فلما فتح عمرو الإسكندرية؛ سَبَى أهل هذه القُرى، وحملهم إلى المدينة وغيرها، فَرَدَّهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إلى قراهم في مصر)
– وجاء في كتاب (نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري): (وكانت قُرَى من مصر قاتلت المسلمين، وظاهروا الروم عليهم، وهي: بلهيب، والخيس، وسُلطَيس، وقرسطا، وسخا؛ فَسُبوا، ووقعت سباياهم بالمدينة، فردَّهم “عمر بن الخطاب” إلى قراهم، وصيّرهم وجماعة القبط ذمة وكتب بردهم.)
– وكتب عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في أهل سلطيس يقول: (من كان منهم في أيديكم، فخيِّروه بين الإسلام، فإن أسلم فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه فخلّوا بينه وبين قريته، وأن تُجعل القرى التي ظاهرت مع الإسكندرية (الروم) ذمّة المسلمين، يضربون فيها الخراج.)
– وذكر المقريزي في (المواعظ والاعتبار): (ففتح اللهُ أرض مصر كلها بصُلحٍ غير الإسكندرية، وثلاث قريات ظاهرت الروم على المسلمين: سُلطَيس ومصيل وبلهيت)
– حسب إحصاءات سنة 2006م، بلغ إجمالي السكان في سنطيس: 7702 نسمة،
4- قرية الخيس:
إحدى القرى التابعة لمركز “أبو حمّاد” محافظة الشرقية..
حسب إحصاءات سنة 2006، بلغ إجمالي السكان في الخيس: 6255 نسمة.
5- قرية مصيل
من القرى التي اندثرت بمحافظة البحيرة، وتقع الآن داخل مدينة دمنهور، والله أعلم.
6- قرية قرطسا:
عِزَب قرطسا وطاموس، هي إحدى القرى التابعة لمركز دمنهور، في محافظة البحيرة
(حسب إحصاءات سنة 2006م، بلغ إجمالي السكان في عزب قرطسا وطاموس: 7347 نسمة)
7- قرية بلهيت:
اسمها الآن: (فزارة) وهي إحدى القرى التابعة لمركز المحمودية، محافظة البحيرة، مصر.
(توجد عِدة قرى في مصر بـ اسم: فزارة)
– هي من القرى القديمة، واسمها الأصلي وقت الفتح الإسلامي لمصر: (بلهيب) (بالإنجليزية: Pelhip)، وقد وردت بـ اسم: “بلهيت” واسمها أيضًا: (منية الزناطرة) في البحيرة ضمن قرى الروك الصلاحي التي أحصاها المؤرّخ “ابن مماتي” في كتاب: (قوانين الدواوين)، كما وردت باسم: (منية الزناطرة) في أعمال البحيرة ضمن قرى الروك الناصري التي أحصاها المؤرخ “ابن الجيعان” في كتاب: «التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية».
(حسب إحصاءات سنة 2006، بلغ إجمالي السكان في فزارة البحيرة: 7144 نسمة)
8- النوبة:
كانت مركزًا للوثنية في قارة إفريقيا، وهي أشرس البلاد التي رفضت الإسلام بشـدّة وبعنف، في إفريقيا كلها، وليس مصر فقط، وفشل جيش “عمرو بن العاص” مرتين، في التغلب عليهم، فقد كان أهل النوبة يجيدون استخدام النبال والسهام ببراعة فائقة، حتى أنهم أصابوا كثيرا من المسلمين في أحداقهم، وانصرف المسلمون بجراحات كثيرة، وحدق مفقوءة، وسُـمّـوا “رماة الحدق”..
– بعد وفاة الفاروق عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص (رضي الله عنهما) وتولّي الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) حاول أهل النوبة احتلال الصعيد ونشر وثـنـيـتهم، فخرج (عبد الله بن أبي السرح)، في جيشٍ جرار، ودَكَّ النوبة بالمنجنيق، بعد أن حاصرها حصارًا شديدًا، فاستسلم أهل النوبة، ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام، وكان ذلك في شهر رمضان، سنة 31هـ… أبريل 652م.
وقفات
1- دخل عمرو بن العاص مصر على رأس قوة محدودة قوامها نحو (3700 مجاهد)، في بداية حملة عسكرية اتسمت بالحذر وقِلة العدد،، غير أن موازين القوة سرعان ما تبدّلت مع وصول الزبير بن العوام (رضي الله عنه) على رأس مدد يُقدَّر بنحو (8000 مقاتل)، ما منح الجيش دَفعة إستراتيجية واضحة..
وفي سياق متصل، انضم إلى صفوف المسلمين قرابة (3000 من المصريين) الذين دخلوا الإسلام، وظلت أعداد المصريين تتزايد مع الوقت، في خطوة عكست تحوّلًا مُهمًّا على الأرض، وأسهمت في تعزيز الحضور العسكري والبشري للجيش الفاتح..
وكان عدد سكان مصر (قرابة 8 ملايين نسمة)
وقد عاد معظم الفاتحين الذين جاؤوا مع عمرو بن العاص (رضي الله عنه) إلى بلادهم في اليمن والحجاز والشام، ولم يبق في مصر إلا القليل، ولذا فمعظم سكان مصر (99%) من المسلمين المصريين فراعنة الجذور ومن أصحاب الأرض الأصليين.. فلا تقل إن المصريين المسلمين الآن من العرب، والمسيحيين من السكان الأصليين، فتلك أوهام وخرافات مثل حكايات ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة..
2- في مشهدٍ يعكس البنية القبلية للجيش الإسلامي آنذاك، شاركت قبائل عربية متعددة من اليمن، وقبائل مُضَر الحجازية، وبلاد الشام، في فتح مِصرَ بقيادة الصحابي الجليل (عمرو بن العاص) عام 641م..
وشكّلت القبائل اليمنية (القحطانية) الثُّقل الأكبر داخل الجيش، إذ تجاوزت نسبتهم 90% من قوامه، وضمت قبائل: عَكّ، ومهرة، وبلي، ولخم، وغسان، وغافق، وخولان، وذو الكلاع..
ويذهب عدد من المؤرخين إلى أن أهل اليمن كانوا القوة الرئيسية التي أدخلت الإسلام إلى مصر، خاصةً أن قبيلتَيْ: عَكّ وغافِق اليمنيتين كانتا تُمثِّلان وحدهما أكثرَ من نصفِ جيشِ عمرو بن العاص..
وفي المقابل، ضمّت صفوف ما عُرف بـ«أهل الراية» عناصر متنوعة من قريش والأنصار (الأوس والخزرج)، إلى جانب قبائل خزاعة، ومزينة، وأشجع، وجهينة، وثقيف، ودوس، وليث، في صورة تعكس تنوعًا قبليًا واسعًا داخل الجيش الفاتح.
3- كانت معركة البهنسا قبل سقوط حصن بابليون، وكانت بين جيش عمرو بن العاص، وبقايا الجيش الروماني، ولم يكن فيها أي مصري.. فالبهنسا كانت ثكنة عسكرية، ومقبرة لشهداء جيش المسلمين.. ولذا يُطلق عليها (بقيع مصر)
وقد شكك المؤرخ الواقدي في بعض أسماء الشهداء: (وكل منهم دخل حديثه الآخر لما في ذلك من اختلاف الرواة ممن حضر الفتوحات وشاهد الوقعات من الصحابة).. وتوجد مبالغات كثيرة في هذا الموضوع، فقد ذكر بعضهم، أنه حضر البهنسا ١٠ آلاف صحابي، و٧٠ من الذين حضروا غزوة بدر، و١٤٠٠ من الأمراء والسادات وأصحاب الرايات، ودُفن بأرض البهنسا حوالي ٥٠٠٠ صحابي
وهذا تدليس تاريخي لتعظيم الأرض، وعواطف جياشة تضع الكذب قبل الحقيقة، لأن عدد جيش عمرو بن العاص كان أقل من (4000 مقاتل) والمدد الذي جاء به الزبير (رضي الله عنه) جاء أثناء حصار الإسكندرية، ومعركة البهنسا كانت قبل سقوط حصن بابليون والإسكندرية..
4- تُبرز شواهد التاريخ عمق الصلة بين مصر والعرب، وهي علاقة ضاربة في جذور الزمن، لم تكن وليدة الفتح الإسلامي، بل سبقته بقرون طويلة..
فقد سجّل هيرودوت، خلال رحلته إلى مصر قبل الميلاد، حضورًا عربيًا واضحًا في أطراف البلاد، سواء عبر سيناء في الشمال، أو على امتداد الصعيد وسواحل البحر الأحمر في الجنوب.
5- يذهب الجغرافي الدكتور جمال حمدان إلى أن المجال الإقليمي بين وادي النيل وغرب الجزيرة العربية ظل مفتوحًا بلا حواجز قبل الإسلام، حيث تواصلت حركة التجارة والهجرات والتفاعل الحضاري بصورة دائمة، خاصة بين مصر وشمال الجزيرة.
6- تذكر بعض الروايات أن جماعات من صعيد مصر ارتحلت إلى الحجاز قبل الإسلام، واستقرت هناك حتى صارت جزءًا من نسيجه السكاني، ويُروى أن من نسلهم من كان في استقبال النبي (صلى الله عليه وسلم) عند هجرته من مكة إلى يثرب، في دلالة لافتة على تشابك المسارات بين الجغرافيا والتاريخ والإنسان.
7- اندفعت مدن وقرى الصعيد إلى الإسلام في موجاتٍ متلاحقة، دون مقاومة تُذكر منذ دخول جيوش عمرو بن العاص (رضي الله عنه) إلى مصر، بل أسهم بعض أبنائه في معارك الفتح نفسها، وشاركوا في حصار الإسكندرية بنحو ثلاثة آلاف مقاتل، ويُرجَّح أن يكون ذلك مرتبطًا بوجود قبائل عربية استقرّت في الصعيد قبل الإسلام، فاستقبلت قدوم الجيش باعتباره امتدادًا طبيعيًا لها، فضلًا عن طبيعة البيئة الاجتماعية هناك، حيث يغلب الفقر، والفقراء أقرب إلى الله، وإلى التديّن، وأهل الصعيد بطبيعتهم أسرع استجابة لما يرونه حقًا، بحسٍّ لا يقبل المساومة أو التنازلات..
في المقابل، كان الوجه البحري أكثر ارتباطًا بمراكز النفوذ والثروة، حيث تتركّز طبقات الحُكم، والعائلات المرتبطة بالإدارة الرومانية، وهو ما يفسّر ظهور بُؤَر الرفض والمقاومة في تلك الجهات، ويُستَثنى من الصعيد “الجنوب الأبعد”، فقد ظلّ إقليم النوبة حالةً خاصة، إذ تمسّك بعقيدته الوثنية آنذاك، مدفوعًا بروح انتماء قوية، وتعصّب واضح لهويته.
————————–
المصادر:
1- كتاب: (المواعظ والاعتبار) المقريزي
2- كتاب: (نهاية الأَرَب في فنون الأدب) النويري
3- كتاب: (معجم البلدان) ياقوت الحموي
4- كتاب: (فتح مصر) د. جمال عبد الهادي
5- كتاب: (فتوح مصر وأخبارها) ابن عبد الحكم،
6- كتاب: (تاريخ الأمم والملوك) الطبري.
7- كتاب: (حُسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهر) السيوطي.
8- كتاب: (فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب) د. علي الصلابي
9- كتاب: (قصة الحضارة) وُول ديورنت
10- كتاب: (عندما أصبحت مصر عربية إسلامية) د. محمد عمارة
11- (فتح مصر) موقع قصة الإسلام، د. راغب السرجاني


