– في عزاء العالِم العلّامة الدكتور خالد فهمي، ليلة أمس، في شبرا الخيمة، جلستُ أتأمل الوجوه.. جيران وأهل ومعارف لأهل الراحل من أبناء المنطقة التي كنتُ أدخلها لأول مرة، ربما بعضهم لم يعرف الدكتور خالد فهمي اللغوي والمفكر الجليل، لكنهم جاؤوا لأداء ما يمليه عليهم الموقف.
– لا أثر لأصحاب الياقات البيضاء، ولا (البدلات) الأنيقة.. ناس بسطاء يملؤون السرادق الفسيح، وأقارب الدكتور يتلقّون العزاء..
لا الهيئة العامة للكتاب التي كان على رأسها،
ولا مجمع اللغة العربية الذي كان خبيرًا فيه،
ولا معهد المخطوطات الذي كان أحد ألمع باحثيه ومفكريه..
ولا جامعة المنوفية التي كان نجمها الألمع والأول، وأبرز قاماتها..
نعم، بعضهم حضروا الصلاة على الجثمان والدفن نهارًا.
– لم أتعرّف على أحد سوى ثلاثة: الشاعر الكبير محمد فايد عثمان، والشاعر الكبير د. سلطان إبراهيم، والشاعر الكبير محمد حافظ.
– كان الدكتور خالد فهمي رجلًا بسيطًا، متواضعًا، هيّنًا، ليّنًا، رغم مكانته العلمية والوظيفية الرفيعة، ولذا كان الحزن على رحيله المفاجئ كبيرًا كبيرًا.
– ما أحاول قوله، أن هذه الدنيا لا تساوي شيئًا..
ينهار الاسم ما أن تفارق الروح الجسد، فلا يبقى إلا: الجنازة أو الخشبة.. والعزاء لا يتلقاه الغرباء، بل الأهل فقط، فاحفظ أهلك.
– في قبرك لن يُنادَى عليك: يا باشا، ولا يا دكتور، ولا يا باشمهندس..
لن يناديك أحد:
يا سيادة المحافظ،
يا حضرة الضابط،
يا حضرة المدير،
يا معالي الوزير،
يا أفندم..
الجميع هناك، تحت التراب، متساوون.
– بعد ثلاثة أيام فقط، لا أحد يقوَى على الاقتراب من قبرك، فالجسم الذي كانت عليه أفخم أنواع العطور صار طعامًا للديدان، ورائحته لا تُحتمل.
– واعلم أنها حياة زائلة..
رحلة قصيرة، وسينساك الناس بعد أسبوع، أو يزيد قليلاً.
– اللهمّ اغفر لعبدك خالد فهمي، وارحمه، وتجاوز عن سيئاته، واجعله رفيق النبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة.
– اللهمّ اجزِهِ عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
– اللهمّ اجعل له عندك زُلفَى وحُسن مآب.


