– ليس كلُّ الأبطال يتقدّمون الصفوف في الذاكرة، بعضهم يختار أن يقف خطوةً خلف القامة الأشهر، لا تواضعًا ولا خوفًا، بل إيمانًا بأن المعركة لا تحتاج أسماءً لامعة بقدر ما تحتاج رجالًا ثابتين.
– يوسف بُو رحيل المسماري كان من هذا الصنف النادر؛ الرجل الذي لم يطلب الضوء، فصار هو الضوء الذي يهتدي به الآخرون.
– حين يُذكر اسم شيخ المجاهدين عمر المختار، ويُستعاد مشهد الشيخ الأسير، يغيب عن الصورة ذلك الظلّ الصلب الذي لم يفارقه في السِّلم ولا في النار، العقل الهادئ الذي كان يدير الحرب بعين الفقيه وبصيرة القائد، ويعرف متى تُرفع البندقية ومتى تُصان الأرواح.
– بُو رحيل لم يكن تابعًا في سيرة الجهاد الليبي، بل ركنًا من أركانه الثقيلة، وضميرًا يقظًا حمل العبء كاملًا حين ترنّحت الأيام وضاقت الأرض..
فهو وزير دفاع المختار، ومهندس الجهاد الليبي في تلك الفترة..
– في التاسع عشر من ديسمبر 1931م، لم يُستشهد رجلٌ عادي، بل سقط آخر الرجال الذين يعرفون كيف يُقاتلون بلا وَهم، ويصمدون بلا ضجيج، ويموتون واقفين دون أن يتركوا خلفهم وصيّة إلا استمرار المعنى.
– هذه حكاية نائب المجاهد عمر المختار، حكاية رجلٍ عاش للجهاد، ومضى إليه، وبقي اسمه شاهدًا على أن أعظم الأدوار تُؤدّى أحيانًا من الصف الثاني.
– المجاهد الليبي الكبير “يوسف بُو رحيل المسماري”
(1866م – 19 ديسمبر 1931م)
– اللقب: (بُو خديدة) لأنه سقط في النار وهو طفل صغير وبقى أثر هذا الحرق واضحًا على خدّه (وجهه) حتى استشهاده.
– ينتمي لعائلة خضرة (قبيلة المسامير) التي تنتمي لقبائل المرابطين، وأمه هي فاطمة القطعانية ..
– مِن أعظم المجاهدين المسلمين في التاريخ، لم ينل حقه من التكريم والشهرة، ولم يكن يعنيه ذلك، حال كل المجاهدين المسلمين الحقيقيين..
– حفظَ القرآن الكريم، وتلقّى تعليمه في الجغبوب، ودرسَ علوم الفِقه والدين والتفسير، وفي هذه الزاوية تعرّف (بُورحيل) على المجاهد عمر المختار، وكان الشيخ عمر يكبره بسنوات، وتوطّدَت العلاقة بينهما، ولم يفترقا حتى الموت.
– الرجل الثاني في الجهاد الليبي، ونائب شيخ المجاهدين عمر المختار.. ووزير دفاعه المُخلِص، وظِلّه الذي لم يفارقه قَط.. والعقل المدبّر للجهاد الليبي، وعبقري الحرب الذي تفوّق على القادة الإيطاليين الذين تخرّجوا في الكليات العسكرية، باعترافاتهم التي نشروها في مذكراتهم..
– نائب وخليفة شيخ المجاهدين “عمر المختار” في قيادة حركة الجهاد، وقائد دور العبيدات في برقة بـ ليبيا، والرجل الذي تحمّل المسؤولية الثقيلة كاملة باقتدار، بعد المختار، وواصل الجهاد، حتى مات واقفا شامخا، وعمره 65 عاما،
– كان “بُورحيل” هو عقل عمليات الجهاد الليبي، والقائد العظيم الذي وهبَ حياته لله، وللجهاد، والخطيب المُفَوّه الذي كان يبث الحماس في الجنود، فقد كان من البشر المخلصين الذين لا يعرفون اليأس، ولا يتركون مشعل الأمل من أيديهم، ليظلَ مضيئا للجميع
– حارب قوات الغزو الإيطالية منذ دخولها أرض ليبيا إلى عام 1931م.
– استشهد بعد إحاطة دورية إيطالية له، وتُوُفي عن عمر يناهز 65 عاما، بعد جهادٍ طويلٍ ضد الإيطاليين، استمر لمدة 30 عاما.
– كان “بُورحيل” قائدا عسكريا قديرا، وفقيها في أصول الدين، وخطيبا ومتحدثا رائعا
– تغيّرت الأحوال بعد فترة من رحيل المختار، وضاقت الأرض على المجاهدين، وأُغلِقت جميع المنافذ التي كان يأتي منها السلاح، والطعام.
– شعرَ “بُورحيل المسماري” بهذا الواقع الصعب، فقد أصبح جنوده بلا سلاح، ولا ذخيرة، ولا دواء، ولا يجدون حتى الطعام، بالإضافة إلى تقدّم أعمار معظم الجنود، وإصابات وأمراض بعضهم، فقد أنهكتهم الحروب، وتركت آثارها القاسية في أجسامهم، ولذا قرر المسماري أن يعطي الجنود، هُدنة (استراحة محارب) حتى يستطيع بناء جيشه من جديد، وكان اجتماعه التاريخي بقادة جيشه وجنوده.. وقال كلماته التي سجّلها التاريخ: (لقد هاجرَ أحبابٌ من قبل، وهم موزعون على السودان ومصر ومناطق أخرى، وقد قمنا بما يحتّمه الواجب المُقدّس، وواجب الوطن العزيز، ولم يبق اليوم جهد للنضال، وإيطاليا تطالبنا بالاستسلام وإلقاء سلاحنا، وهذا معناه العار والذل)
وفي نفس الاجتماع قررَ المجاهدون الانسحاب إلى مصر، وقام المسماري بإعداد خطة لعبور الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية، وكانت الخطة تقضي بتقسيم المجاهدين إلى أربعة مجموعات، ونجحت كلها في تجاوز الأسلاك الشائكة، والحراسة الإيطالية المشددة، واتجهت إلى منطقة السلوم المصرية، ولكن مجموعة القائد المسماري الذي كان يهتم بتأمين جنوده أكثر من نفسه، فقد اصطدمت بدورية إيطالية كبيرة، وتمكنت تلك الدورية الإيطالية من الإحاطة بالمجموعة المكوّنة من يوسف بورحيل وثلاثة من رفاقه “شرق طبرق” وظل بُورحيل ورفاقه يقاتلون الدورية الإيطالية بجميع عتادها وأسلحتها، حتى استشهدوا جميعا.
– رحمَ اللهُ المجاهد الكبير يوسف المسماري، مهندس الجهاد الليبي، وتقبّله من الشهداء، فقد عاش حياته كلها بعيدا عن الأضواء رغم أنه صاحب الخطط العسكرية التي جعلت القادة الإيطاليين يعترفون في مذكراتهم بعبقريته..
……………
يسري الخطيب


