يُؤَرِّقُني التَذَكُّرُ حينَ أُمسي
فَأُصبِحُ قَد بُليتُ بِفَرطِ نُكسِ
عَلى صَخرٍ وَأَيُّ فَتىً كَصَخرٍ
لِيَومِ كَريهَةٍ وَطِعانِ حِلسِ
وَلِلخَصمِ الأَلَدُّ إِذا تَعَدّى
لِيَأخُذَ حَقَّ مَظلومٍ بِقِنسِ
فَلَم أَرَ مِثلَهُ رُزءً لِجِنٍّ
وَلَم أَرَ مِثلَهُ رُزءً لِإِنسِ
أَشَدَّ عَلى صُروفِ الدَهرِ أَيداً
وَأَفصَلَ في الخُطوبِ بِغَيرِ لَبسِ
وَضَيفٍ طارِقٍ أَو مُستَجيرٍ
يُرَوَّعُ قَلبُهُ مِن كُلِّ جَرسِ
فَأَكرَمَهُ وَآمَنَهُ فَأَمسِ
خَلِيّاً بالُهُ مِن كُلِّ بُؤسِ
يُذَكِّرُني طُلوعُ الشَمسِ صَخراً
وَأَذكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمسِ
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي
عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نَفسي
وَلَكِن لا أَزالُ أَرى عَجولاً
وَباكِيَةً تَنوحُ لِيَومِ نَحسِ
أَراها والِهاً تَبكي أَخاها
عَشِيَّةَ رُزئِهِ أَو غِبَّ أَمسِ
وَما يَبكونَ مِثلَ أَخي وَلَكِن
أُعَزّي النَفسَ عَنهُ بِالتَأَسّي
فَلا وَاللَهِ لا أَنساكَ حَتّى
أُفارِقَ مُهجَتي وَيُشَقُّ رَمسي
فَقَد وَدَّعتُ يَومَ فِراقِ صَخرٍ
أَبي حَسّانَ لَذّاتي وَأُنسي
فَيا لَهفي عَلَيهِ وَلَهفَ أُمّي
أَيُصبِحُ في الضَريحِ وَفيهِ يُمسي
——————————
تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السُّلَمية (الخنساء)
(قبل 20 ق.هـ – 24 هـ / نحو 575م – 645م)،
الخنساء هي مؤنث الأَخْنَس، وهو الذي في أنفه ارتفاعٌ مع انخفاض قصبته، وقيل: هي التي تَتَخَنَّسُ أي تتأخر وتستحيي، ومنه سميت الخنساء الشاعرة لِتَخَنُّسِها عن الرجال.
وجاء في معاجم اللغة العربية أن “الخنساء” هي:
– المرأة التي يكون أنفها قصيراً، وارتفاعاً في أرنبتها (طرف الأنف) مع ميلان إلى الداخل، بحيث يكون فيه شبه انخفاض وتأخر.
وهذا الوصف كان يُعد عند العرب من علامات الجمال، إذ كانوا يستحسنون في المرأة هذا الشكل من الأنوف، ويصفونه بأنه “شمم” محبوب.
– كذلك تُطلق “الخنساء” على الناقة الغزيرة اللبن، أو البقرة الوحشية، وذلك لوصفها بهذا الشكل من الأنف.
– وفي بعض الأوصاف، تُطلق على الرجل أيضاً بمعنى المتأخر، لكن الغالب على الاستعمال هو تأنيث الصفة للمرأة.
وأشهر من حملت هذا الاسم على مر التاريخ، هي الصحابية الجليلة الشاعرة المخضرمة الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، واسمها الكامل: تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد.
من بني سُليم من قيس عيلان، وتُعد من أشهر شواعر العرب، بل أشعرهن على الإطلاق.
وُلدت في نجد، وعاشت معظم حياتها في العصر الجاهلي، ثم أدركت الإسلام فأسلمت.
وكانت الخنساء من الوافدات على النبي (صلى الله عليه وسلم) مع قومها بني سليم، وقد أعجب النبي بشعرها؛ فكان يستنشدها ويقول: “هيه يا خنساء!”
اشتهرت برثاء أخويها صخر ومعاوية اللذين قُتلا في الجاهلية، ويُعد رثاؤها من أبلغ ما قيل في الشعر العربي القديم.
أسلمت وثبتت على الإسلام، واستُشهد أبناؤها الأربعة في معركة القادسية سنة 16هـ (637م)، فحمدت الله قائلة: “الحمد لله الذي شرفني بقتلهم.”
لها ديوان شعر طُبع ويضم ما وصلنا من قصائدها، ويُعد مصدرًا مهمًا في أدب الرثاء والبلاغة الشعرية.


