مع تصاعد تداعيات التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية على أسواق الطاقة العالمية، عادت ليبيا إلى واجهة المشهد كأحد الخيارات المطروحة لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات، مستفيدة من احتياطاتها الضخمة وموقعها الاستراتيجي المطل على البحر المتوسط، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اختناقات في طرق الإمداد التقليدية.
هذا الحضور المتجدد لليبيا في معادلة الطاقة لا يقتصر على بعدها الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد جيوسياسية أعمق، حيث ترى دوائر تحليل غربية أن البلاد قد تتحول إلى “ورقة استراتيجية” في يد قوى دولية، من بينها الولايات المتحدة، لإعادة ضبط توازنات سوق النفط، خاصة في ظل عودة الحديث عن دور محتمل للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في هذا الملف.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن ليبيا تمتلك نحو 48.36 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة، ما يجعلها الأكبر في أفريقيا، فيما سجل إنتاجها النفطي مؤخراً نحو 1.43 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى خلال أكثر من عقد، وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط.
وفي هذا السياق، ربطت تقارير دولية، بينها ما نشره موقع “ذا هيل” الأميركي، بين التحركات الدبلوماسية الأميركية في ليبيا وملف الطاقة، معتبرة أن حالة الانقسام السياسي والصراع بين الحكومات المتنافسة تفتح الباب أمام فرص استثمارية وسياسية في قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.
ويرى التقرير أن ليبيا تمثل حالة مختلفة مقارنة بدول أخرى مثل إيران أو فنزويلا، إذ لا تُصنف كخصم أيديولوجي للولايات المتحدة، كما أن أطرافها المتنازعة تشترك في هدف واحد يتمثل في استعادة إنتاج النفط وتعظيم عائداته، ما يجعلها بيئة قابلة لإعادة التشكيل سياسياً واقتصادياً.
في المقابل، يحذر خبراء من المبالغة في تقدير قدرة ليبيا على سد فجوات الطاقة العالمية، مشيرين إلى أن استقرار السوق يرتبط بدرجة أكبر بالإمدادات القادمة من الخليج العربي، خاصة عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، إضافة إلى تنامي الطلب في الأسواق الآسيوية.
كما تبرز مخاوف من أن يؤدي الانخراط الدولي المتزايد في الملف الليبي إلى تعقيد المشهد الداخلي، إذ يرى بعض المحللين أن هناك ضغوطاً تمارسها دوائر اقتصادية لدفع نحو استثمار الأزمة السياسية لخدمة مصالح في قطاع الطاقة.
وفي خضم هذه التطورات، تتواصل التحركات الأميركية عبر وساطات يقودها مبعوثون لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، بالتوازي مع اتفاقات طويلة الأمد لتطوير قطاع النفط، من بينها اتفاق يمتد لـ25 عاماً مع شركات دولية كبرى، وسط توقعات بتحقيق عائدات ضخمة.
ورغم هذه الفرص، يبقى العامل الحاسم في قدرة ليبيا على لعب هذا الدور هو الاستقرار الداخلي، حيث يحذر خبراء من أن أي اضطراب في الإنتاج – سواء لأسباب سياسية أو أمنية – قد ينعكس سلباً على الأسواق، خصوصاً في أوروبا التي تعتمد بشكل متزايد على بدائل للطاقة الروسية.
وفي المحصلة، تقف ليبيا عند مفترق طرق دقيق، بين أن تتحول إلى لاعب مؤثر في إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، أو أن تظل رهينة الانقسامات الداخلية التي تعرقل استثمار ثرواتها، في لحظة دولية شديدة الحساسية تبحث فيها القوى الكبرى عن بدائل سريعة وآمنة للإمدادات النفطية.


