ارتفعت حصيلة القصف الذي استهدف سوق أميت في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان إلى 153 قتيلًا، وفقًا لمسؤول في إدارة المنطقة، وسط استمرار عمليات انتشال الجثامين وإخماد الحرائق، ونزوح نحو 8 آلاف شخص، في هجوم أثار مطالبات بتحقيق مستقل ومخاوف من اتساع نطاق الحرب السودانية إلى المناطق الحدودية.
وقال يوهانا أكول نقور، وزير الإعلام المكلف في إدارة أبيي، إن عدد القتلى مرشح للارتفاع، موضحًا أن النيران ظلت مشتعلة حتى الثلاثاء، وأن بعض الجثامين احترقت بالكامل، ما صعّب حصر الضحايا والتعرف إلى هوياتهم.
وأظهرت مقاطع مصورة مركبات متفحمة ومباني مدمرة، فيما أفاد شهود عيان بسماع خمسة انفجارات كبيرة أعقبها اشتعال مستودع للوقود. وأشاروا إلى أن المصابين تعرضوا لجروح ناجمة عن الشظايا وحروق شديدة.
واستهدف القصف، الذي وقع الاثنين، سوق أميت المعروف أيضًا باسم سوق النعام، وهو مركز تجاري رئيسي يخدم سكان المناطق الحدودية بين السودان وجنوب السودان، إلى جانب الفارين من الحرب، ويضم أنشطة لتجارة المواد الغذائية والسلع الأساسية والوقود.
إقرار بتنفيذ الضربة وتبرير باستهداف ناقلات وقود
انتقل الجدل بشأن المسؤولية عن الهجوم إلى مرحلة جديدة، بعدما أقر ضابط كبير في الجيش السوداني لوكالة «أسوشيتد برس» بتنفيذ الضربة باستخدام طائرة مسيّرة، وفقًا لما أورده التقرير، وذلك عقب اتهامات وجهتها سلطات جنوب السودان وإدارة أبيي إلى الجيش السوداني.
وادعى الضابط، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الهجوم استهدف ناقلات وقود قادمة من جنوب السودان، زاعمًا أنها كانت في طريقها إلى قوات الدعم السريع، وأن القتلى كانوا من عناصر القوات أو من المتورطين في تهريب الوقود.
لكن هذا التبرير يتعارض مع روايات مسؤولين في جنوب السودان وشهادات سكان محليين، تحدثت عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، بينهم تجار ونساء وأطفال ولاجئون سودانيون وعائدون إلى المنطقة.
ويثير استهداف سوق تجاري مكتظ بالمدنيين تساؤلات بشأن المعلومات الاستخباراتية التي سبقت الهجوم، وطبيعة الهدف العسكري المزعوم، والاحتياطات المتخذة لتجنب سقوط ضحايا مدنيين، ومدى التناسب بين الخسائر المتوقعة والميزة العسكرية المرجوة.
وقال محمد نور الدين، المستشار السابق لوكالات إغاثة دولية وخبير حماية المدنيين، إن الاشتباه في وجود وقود يُحتمل أن يصل إلى طرف عسكري لا يعفي القوات المهاجمة من الالتزامات المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان، وعدم شن هجمات يُتوقع أن تؤدي إلى خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والملموسة.
وأضاف أن وجود إمدادات يُشتبه في ارتباطها بجهة عسكرية لا يجعل السوق المكتظ بالمدنيين هدفًا مباحًا تلقائيًا، مشيرًا إلى أن تحديد المسؤولية القانونية يتطلب تحقيقًا مستقلًا يفحص طبيعة الهدف والظروف المحيطة بالهجوم وحجم الأضرار المتوقعة.
احتجاج رسمي وتنديد أممي
وأثار القصف احتجاجًا في جنوب السودان، إذ استدعت وزارة الخارجية ممثل سلطة بورتسودان لدى جوبا، وأبلغته احتجاجًا رسميًا على الهجوم، الذي قالت إنه أصاب مواقع متعددة داخل السوق وأوقع ضحايا مدنيين وأضرارًا واسعة بالممتلكات.
وطالبت جوبا بوقف الأعمال التي تعرض حياة المدنيين وممتلكاتهم للخطر، ومنع تكرار الهجمات، والتعامل مع القضايا المرتبطة بأبيي عبر الوسائل الدبلوماسية.
كما نددت الأمم المتحدة بالهجمات التي استهدفت المنطقة، معربة عن قلقها من تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة وما تسببه من أضرار للمدنيين والبنية التحتية الحيوية. وجددت دعوتها إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وأكدت منظمة أطباء بلا حدود استقبال مصابين في مستشفى أميث بيك، بينهم حالات حرجة وأشخاص تعرضوا لحروق، موضحة أن فرقها قدمت خدمات جراحية وعلاجًا للجروح ورعاية طارئة، ومحذرة من تأثير الهجمات على قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
وفي أبيي، خرج مئات السكان في مظاهرات غاضبة تنديدًا بالقصف، مطالبين بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عن سقوط القتلى والجرحى.
أبيي.. بؤرة توتر على الحدود
وتكتسب الهجمات حساسية إضافية بسبب الوضع السياسي والأمني لمنطقة أبيي، الغنية بالنفط والمتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، والتي لم يُحسم وضعها النهائي منذ انفصال الجنوب عام 2011، وتخضع لترتيبات خاصة في الإدارة والأمن.
ويهدد انتقال العمليات العسكرية إلى المنطقة بتصعيد التوتر بين الخرطوم وجوبا، في وقت تعاني فيه المناطق الحدودية هشاشة أمنية ونزاعات متراكمة، بينما تزيد موجات النزوح والاحتياجات الإنسانية الضغط على المجتمعات المحلية.
ومع إقرار ضابط سوداني بتنفيذ الضربة، وفقًا لوكالة «أسوشيتد برس»، باتت الأسئلة الرئيسية تتعلق بطبيعة الهدف الذي استُهدف، والأدلة التي استند إليها الجيش في تبرير العملية، والإجراءات التي اتخذها لحماية المدنيين، والجهة التي أصدرت الأمر بتنفيذها.
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مرتبطة بتحقيق مستقل يكشف ملابسات الهجوم، ويتحقق من ملابسات سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا، ويحدد المسؤوليات وفق الأدلة والقانون الدولي.


