ما يزال اليمن يعيش واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، وفق تقديرات صادرة عن الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي، التي تشير إلى أن نحو 18 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجاته المختلفة، بينهم ملايين يواجهون الجوع الحاد يوميًا. وتعكس هذه الأرقام وضعًا إنسانيًا بالغ الهشاشة، نتج عن حرب طويلة الأمد تجاوزت عقدًا من الزمن، وأدت إلى تدمير منظومات الإنتاج والاقتصاد وسبل العيش.
نصف السكان مهددون بالمجاعة
تشير البيانات الدولية إلى أن قرابة نصف سكان اليمن باتوا مهددين بالجوع، مع عجز ملايين الأسر عن تأمين الحد الأدنى من الغذاء اليومي. وتُظهر الصورة المرفقة مشاهد من الواقع اليومي في مناطق واسعة من البلاد، حيث يعتمد السكان، بمن فيهم الأطفال، على مساعدات غذائية محدودة في بيئة تعاني من شح الموارد وانهيار البنية التحتية.
ويؤكد خبراء الإغاثة أن أي تراجع في تدفق المساعدات أو أي اضطراب في سلاسل التوريد يتحول فورًا إلى أزمة غذائية حادة داخل البلاد.
الأطفال في قلب الأزمة
تُعد معدلات سوء التغذية بين الأطفال في اليمن من الأعلى عالميًا، لا سيما بين الأطفال دون سن الخامسة، بحسب تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف). ويواجه مئات الآلاف من الأطفال خطر سوء التغذية الحاد، الذي يهدد حياتهم ويترك آثارًا صحية دائمة على نموهم الجسدي والعقلي.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن سوء التغذية بات سببًا رئيسيًا للوفيات غير المباشرة بين الأطفال، في ظل ضعف النظام الصحي ونقص الأدوية والخدمات الأساسية.
حرب دمّرت الزراعة وسلاسل الإمداد
أدت الحرب المستمرة إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتعطيل شبكات الري، ونزوح أعداد كبيرة من المزارعين، ما أفقد البلاد جزءًا كبيرًا من قدرتها على الإنتاج المحلي. وبات اليمن يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الغذاء، في وقت يعاني فيه من نقص العملة الصعبة وانهيار سعر الصرف.
ووفق تقديرات اقتصادية دولية، فإن ارتفاع الأسعار العالمية للغذاء أو الوقود ينعكس بشكل فوري داخل الأسواق اليمنية، ما يجعل الغذاء بعيد المنال عن شريحة واسعة من السكان.
اقتصاد منهار وعملة متدهورة
ساهم الانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة العملة الوطنية في تقليص القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة. ومع فقدان ملايين اليمنيين لمصادر دخلهم، باتت الأسر تعتمد إما على الديون أو المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها الأساسية، في ظل غياب أي شبكة حماية اجتماعية فاعلة.
المناخ يزيد الأزمة تعقيدًا
إلى جانب الحرب، تلعب العوامل المناخية دورًا متزايد الخطورة في تفاقم الأزمة. فقد شهد اليمن في السنوات الأخيرة فيضانات مدمرة وجفافًا متكررًا، تسببا في خسائر كبيرة بالمحاصيل الزراعية، ونفوق الماشية، وتدمير سبل العيش الريفية، وفق تقارير أممية متخصصة في الأمن الغذائي والمناخ.
تراجع التمويل الإنساني
تحذر المنظمات الدولية من أن تراجع التمويل الإنساني الدولي يشكل خطرًا مباشرًا على استمرار برامج الإغاثة. ومع اتساع فجوة التمويل، باتت المساعدات الغذائية تُقلّص أو تُوزع على فترات أطول، ما يضع ملايين اليمنيين أمام احتمالات أكثر قسوة خلال الأشهر المقبلة.
أزمة مفتوحة على الأسوأ
تجمع التقديرات الأممية على أن أزمة الجوع في اليمن مرشحة للتفاقم في حال استمرار الصراع، وغياب الحلول السياسية، وتراجع الدعم الدولي. ويؤكد خبراء الشأن الإنساني أن إنقاذ اليمن من حافة المجاعة يتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا، يجمع بين وقف الحرب، ودعم الاقتصاد، وضمان تدفق المساعدات، وتعزيز القدرة المحلية على إنتاج الغذاء.
في بلد أنهكته الحرب والجوع، لم تعد الأرقام مجرد إحصاءات، بل باتت انعكاسًا يوميًا لمعاناة ملايين اليمنيين الذين يواجهون أحد أقسى الاختبارات الإنسانية في العالم المعاصر.


