– رجلٌ جعل الرحمة مهنته، والإنسان رسالته..
– ليست قيمة الإنسان فيما يملك، بل فيما يمنح، فكم من أناسٍ رحلوا وقد تركوا وراءهم أموالًا وأملاكًا سرعان ما تقاسمتها الأيام، وكم من رجالٍ وهبوا أعمارهم للناس، فبقيت سيرتهم حيّةً في القلوب قبل الكتب.
– أولئك الذين جعلوا العطاء أسلوب حياة، ومدّوا أيديهم إلى المحتاجين دون انتظار جزاء أو شهرة، هم الذين يثبتون أن الخير الصامت أبقى أثرًا من الضجيج، وأن خدمة الإنسان هي أعظم ما يخلّده الإنسان بعد رحيله.
– ومن هؤلاء كان الدكتور محمد عبد الغفار مشالي، الذي عرفه المصريون بلقب “طبيب الغلابة”؛ لأنه لم يجعل الطب تجارة، بل رسالةً إنسانية، أفنى عمره في خدمة الفقراء، وعلاج المحتاجين، حتى صار اسمه مرادفًا للرحمة، وأصبحت سيرته نموذجًا للطبيب الذي انتصر لضميره قبل أن ينتصر لمهنته.
– طوال سنوات عمله، لم يكن ينظر إلى المريض بقدر ما ينظر إلى ألمه، وكان يتقاضى رسومًا رمزية للكشف لم تتجاوز خمسة جنيهات، ثم ارتفعت لاحقًا إلى عشرة جنيهات فقط، وظل متمسّكًا بهذا النهج رغم ارتفاع تكاليف الحياة، ولم يكتفِ بذلك، بل كان يشتري الدواء لكثير من المرضى الفقراء من ماله الخاص عندما يعجزون عن ثمن العلاج.
– وُلِد الدكتور محمد مشالي عام 1944م، بمحافظة البحيرة، لأسرة متوسطة الحال، وكان والده يعمل مدرسًا، ثم انتقلت الأسرة إلى محافظة الغربية واستقرت بمدينة طنطا، التي أصبحت فيما بعد شاهدة على مسيرة عطائه الطويلة.
– تخرّج في كلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة عام 1967م، ثم تخصص في الأمراض الباطنة وأمراض الأطفال والحميات، وعمل في عدد من الوحدات والمراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة في القرى، حيث اقترب من معاناة البسطاء، فازداد يقينًا بأن الطبيب الحقيقي لا يداوي الأجساد فحسب، بل يخفف كذلك أوجاع الفقر والعوز.
– في عام 1975م، افتتح عيادته الخاصة بمدينة طنطا، لكنه لم يجعلها بابًا للثراء، وإنما ملاذًا للفقراء والمحتاجين، كما تحمل مسؤولية أسرته بعد وفاة شقيقه، فكفل أبناءه، ورعى إخوته، وهو ما أدى إلى تأخر زواجه..
ورُزق ثلاثة أبناء، تخرجوا جميعًا في كلية الهندسة.
– وعلى الرغم من أنه لم يكن من أصحاب الثروة، فإنه كان يعيل عشرات الأسر الفقيرة، ويساعد المحتاجين بما يستطيع، وينفق على المرضى من رزقه المحدود، مؤمنًا بأن البركة فيما يُعطى لا فيما يُدَّخر.
– وهكذا بارك الله له في عمره ورزقه، حتى أصبح محبوبًا في قلوب الملايين، وضرب مثالًا نادرًا في الإخلاص والتجرد.
– وفي الثامن والعشرين من يوليو عام 2020م، رحلَ الدكتور محمد مشالي عن عُمرٍ ناهز السادسة والسبعين، لكن سيرته لم ترحل؛ إذ بقيت شاهدة على أن الإنسان يستطيع أن يترك أثرًا أعظم من المال والجاه، إذا جعل حياته وَقفًا على خدمة الناس.
– لقد رحل الغلبان طبيب الغلابة، وبقي الدرس: أن أعظم ما يورّثه الإنسان بعد موته ليس ما جمعه، وإنما ما بذله.
– رحم الله الدكتور محمد مشالي، وغفر له، وجزاه عن الفقراء والمحتاجين خير الجزاء، وجعل كل يدٍ امتدت بالعون، وكل مريضٍ خفف عنه ألمه، وكل ابتسامةٍ رسمها في وجوه البسطاء، في ميزان حسناته..


