منذ اندلاع المواجهات على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّل جنوب لبنان ومناطق واسعة من البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة، خلّفت واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية دموية في تاريخ لبنان الحديث. ومع استمرار الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، تتصاعد أعداد الضحايا بشكل يومي، في ظل تحذيرات أممية وحقوقية من تدهور الأوضاع الإنسانية وتوسّع دائرة الدمار والنزوح.
وبحسب أحدث الإحصاءات المتداولة حتى أيار/مايو 2026، بلغ إجمالي الشهداء والجرحى في لبنان جراء الحرب الإسرائيلية نحو 33 ألفاً و854 ضحية، بمعدل يقارب 36 ضحية يومياً منذ بداية الحرب. وتشير البيانات إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف فعلياً رغم اتفاقات التهدئة ووقف إطلاق النار التي أُعلن عنها خلال الأشهر الماضية، إذ سقط منذ إعلان وقف إطلاق النار في 16 نيسان/أبريل الماضي وحده نحو 2289 شخصاً بين قتيل وجريح.
وتكشف هذه الأرقام حجم التصعيد الذي شهدته الجبهة اللبنانية، خصوصاً بعد توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل العمق اللبناني، واستهداف مناطق مدنية وسكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وتشير تقارير إعلامية وحقوقية إلى أن القسم الأكبر من الضحايا سقط خلال موجات القصف المكثف التي شهدتها الأشهر الأخيرة، والتي طالت أحياء مكتظة بالسكان ومراكز إسعاف وبنى تحتية مدنية.
ووفق تقديرات نشرتها وسائل إعلام دولية وعربية استناداً إلى بيانات وزارة الصحة اللبنانية، فإن أعداد القتلى تجاوزت ستة آلاف شخص حتى مطلع عام 2025، بينهم مدنيون وعناصر إسعاف وأطفال ونساء، بينما ارتفعت أعداد الجرحى إلى عشرات الآلاف مع استمرار القصف وتوسع العمليات البرية والجوية.
وتُظهر الإحصاءات أن النساء والأطفال كانوا من بين الفئات الأكثر تضرراً من الحرب، حيث شكّلوا نسبة كبيرة من الضحايا، وسط اتهامات متزايدة لإسرائيل باستخدام قوة مفرطة في المناطق المدنية. كما تسبب القصف في دمار واسع للبنية التحتية، شمل آلاف الوحدات السكنية والطرق والمستشفيات والمدارس، إضافة إلى موجات نزوح ضخمة من القرى الحدودية نحو الداخل اللبناني.
ورغم إعلان أكثر من هدنة ومحاولة تثبيت وقف إطلاق النار، تؤكد التقارير أن الغارات الإسرائيلية استمرت بوتيرة متفاوتة، مع تسجيل خروقات شبه يومية، الأمر الذي أبقى الجنوب اللبناني في حالة استنفار دائم. وتحدثت تقارير عن مئات القتلى والجرحى الذين سقطوا بعد اتفاقات التهدئة، ما يعكس هشاشة المسار السياسي وفشل الجهود الدولية في فرض تهدئة شاملة ومستدامة.
في المقابل، تتزايد التحذيرات من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحرب، في بلد يعاني أساساً من انهيار اقتصادي غير مسبوق. وتشير تقديرات لبنانية إلى أن الخسائر المادية الناجمة عن القصف والدمار تُقدّر بمليارات الدولارات، في وقت تواجه فيه الحكومة اللبنانية صعوبات كبيرة في إعادة الإعمار وتأمين المساعدات للنازحين والمتضررين.
ويرى مراقبون أن استمرار المواجهات على هذا النحو يهدد بتحويل الأزمة اللبنانية إلى نزاع طويل الأمد، خاصة في ظل تعثر الحلول السياسية الإقليمية، واستمرار التوتر بين إسرائيل و«حزب الله»، واتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط منذ حرب غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023.


