تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 40.18 تريليون دولار، مسجلاً أعلى مستوى لمديونية حكومية في التاريخ، ومتجاوزاً قيمة الناتج المحلي الإجمالي لأغلب اقتصادات العالم. ورغم هذه الأرقام الضخمة التي تجعل حصة الفرد النظري تصل لنحو 113.6 ألف دولار، يستمر الاقتصاد الأمريكي في العمل دون تعثر، وتواصل الأسواق اعتماد الدولار كعملة ملاذ آمن، مع استمرار الإقبال على شراء سندات الخزانة الأمريكية.
تراكم عجز الموازنة الهيكلي
قفز الدين من 5.8 تريليون دولار في 2001 إلى أكثر من 40 تريليون دولار، نتيجة الإعفاءات الضريبية المتكررة، ونفقات الحروب، وحزم التحفيز خلال الأزمات كجائحة كورونا، ويتوقع مكتب الميزانية بالكونغرس وصول العجز المالي لـ 2.1 تريليون دولار، ما دفعه لوصف المسار المالي الحالي بـ “غير القابل للاستدامة”.
هيكلية حيازة الدين
يتوزع الدين بين 32.3 تريليون دولار يحملها الجمهور (صناديق ومؤسسات ومستثمرون)، و7.8 تريليون دولار التزامات داخلية بين الجهات الحكومية.
ولا يتجاوز إجمالي الحيازة الأجنبية لسندات الخزانة 9.3 تريليون دولار؛ حيث تتصدر اليابان قائمة الحائزين الأجانب بـ 1.117 تريليون، تليها المملكة المتحدة بـ 940 ملياراً، ثم الصين بحيازة لا تتعدى 633 مليار دولار (1.6% من الدين الكلي).
امتياز الدولار وهيمنة الاحتياطي
تستند واشنطن في قدرتها على الاقتراض المستمر إلى الامتياز الاستثنائي الذي يمنحه الدولار، حيث يشكل 57.13% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وتعتمد الخزانة على إصدار سندات جديدة لتسديد أصول الدين المستحق، مستفيدة من مكانة أوراقها المالية كأصول آمنة عالية السيولة للمؤسسات والبنوك المركزية حول العالم.
مخاطر سقف الدين
يتأتى الخطر المباشر من ارتجاف الثقة السياسية عند الاقتراب من سقف الدين المحدد بـ 41.1 تريليون دولار، إلى جانب ارتفاع تكلفة خدمة الدين متجاوزة تريليون دولار سنوياً، وتؤدي العوائد المرتفعة على السندات إلى المزاحمة على السيولة ورفع أعباء الاقتراض على الاستثمار الخاص والأسواق الناشئة.
رفع كلفة الاقتراض الحكومى
أفادت تقارير وكالة “رويترز” بأن تحذيرات مؤسسات التقييم المالي تتزايد مع اقتراب الفوائد الصافية للدين من تجاوز ميزانيات الدفاع والتعليم.
وأوضحت تحليلات شبكة “بلومبرغ” الاقتصادية أن استمرار الخلاف الحزبي حول سقف الدين يهدد برفع كلفة الاقتراض الحكومي وإرباك أسواق المال العالمية التي تعتمد على السندات الأمريكية كأصل مرجعي قياسي.
مساحة مناورة
ويرى مراقبون أن الامتياز النقدى الهائل للدولار يمنح الإدارة الأمريكية مساحة مناورة واسعة تجعل مقارنتها بالدول النامية غير موضوعية.
ويؤكدون أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في بلوغ الدين رقماً معيناً، بل في الفقدان التدريجي لثقة المستثمرين الدوليين إذا ما تراجعت القوة الإنتاجية للولايات المتحدة أو تعطلت قدرة المؤسسات السياسية في واشنطن على ضبط المسار المالي وإدارة ملفات الطاقة والاستقرار التشريعي.
رهانات الثقة العالمية
تكشف أزمة تراكم الدين الأمريكي أن واشنطن تعتمد على الهيمنة النقدية للدولار لتأجيل أزمة سيادية لا يملك أي اقتصاد آخر القدرة على تحملها.
ورغم أن سيناريوهات إفلاس الحكومة الفيدرالية تبدو مستبعدة تماماً لكون الاقتراض مقوماً بالعملة الوطنية التي تصدرها، فإن الاستمرار في توسيع العجز يفرض ضغوطاً هيكلية تتمثل في تآكل القوة الشرائية وارتفاع كلفة الدين إلى مستويات تزاحم الإنفاق الاستثماري والخدمي.
وتظل القدرة الأمريكية على مواصلة الاقتراض مرهونة بالحفاظ على استقلالية البنك المركزي واستقرار المؤسسات، إذ إن المعيار الأساسي لاستدامة هذا النموذج لا يرتبط برقم المديونية الفعلي، بل بقبول الأسواق العالمية للاستمرار في تمويل العجز الأمريكي مقابل أصل لا يمكن طباعته وهو الثقة، حسبما وصف المراقبون.