الأحد يونيو 23, 2024
بحوث ودراسات

د.  أبو يعرب المرزوقي يكتب: إيران وإسرائيل.. جار دائم وعدو دائم

جمع الصديق الشنقيطي في تحليله الاستراتيجي لما يجري حاليا في الإقليم بمقابلة تتضمن كل أوهام المحللين العرب التي تجعلهم لا يدركون حقيقة ما يجري وأبعاد غوره: فقد اعتبر إيران جار دائم وعدو مؤقت وإسرائيل عدو دائم وجار مؤقت. والإشكال كله في المقابلة التي لا تطابق أدنى مطابقة للحقيقة

فكلاهما جار دائم وعدو دائم. ذلك أن الكلام على لإسرائيل جار مؤقت وعدو دائم لا يستقيم لأن الجوار لو كان القصد به وجود دولة اسرائيل لاستحال أن تكون العداوة دائمة بفرض زوالها ما يعني أن دوام العداوة له أساس مختلف عن الجوار الذي لا تستمد منه اسرائيل قوتها كما بين الطوفان: فالدولة هشة

لا بد إذن من فهم السر في العداوة الدائمة ما هو؟ قبل أن أجيب عن هذا السؤال فلأنظر في المقابلة الثانية: فهل صحيح أن عدم دوام العداوة بسبب الجوار الدائم يستقيم؟ فالجوار الدائم علته في حالة إيران عداوة دائمة لأن إيران لم تكن جارا دائما إلا إذا وصلناها بسر العداوة: استعادة دولة الفرس

وجدنا الآن المشترك بين العداوتين والجوارين: فعودة اليهود إلى الاقليم طارئية بسبب عداوة دائمة سابقة ومثلها نشأة الدولة الصفوية في الإقليم طارئية بسبب عداوة دائمة سابقة. وكلتا العداوتين دافعة للحرب على الحضارة الإسلامية وليس على العرب وحدهم رغم أنهم تاريخيا هو منشؤها الاول

وكون العرب ينسون ذلك أمر طبيعي لأن خروجهم من تاريخ الحضارة الإسلامية ليس جديدا بل هو بدأ منذ ما ترتب على الفتنة الكبرى التي جعلتهم ينكصون إلى الجاهلية وخاصة منذ القضاء الفارسي على دولتهم الأموية التي حاولت المحافظة على دورهم فتم اجتثاثها فيزيائيا في المشرق وفي المغرب بالكلية

حاول الأتراك والاكراد المخلصين للإسلام حماية الخلافة في المشرق وفي المغرب الأولون إلى نهايتها في الحرب العالمية الأولى والثانية إلى نهاية الأندلس إذ إن أهل المغرب العربي هم من حمى الأندلس نصف عمرها بعد أن انهارت الدولة الأموية المغربية في الاندلس.

فكيف نكص العرب إلى الجاهلية بدعوى التحديث بعد الحرب «الحربين العالمية الأولى والثانية؟» كان ذلك بسبب علتين: الأولى هي تكوين الاحزاب الفاشية التي من جنس فاشيات أوروبا بين الحربين والثانية استكمال شروط تجذير التفتيت (سايكس بيكو) ب بتشتيت التاريخ بعد الجغرافيا: كل محمية صارت أمة

ولما كانت محميات وليست حتى دولا ناهيك عن أن تكون أمما فإنها انقسمت بمقتضى الحماة: توابع انجلترا وتوابع فرنسا خاصة ثم توابع شرطيي الغرب في الإقليم أي إسرائيل وإيران اللتين توالتا في النشأة انطلاقا من العداوة الدائمة فكان الجوار تعينا للعداوة ونتيجة لها ولا فرق بينهما إلا وهميا

والآن نصل إلى سر الاسرار في العلاقة وطبيعة القوتين اللتين تمثلانها في غياب القوة التي فقدها العرب بسبب حمق الاحزاب الفاشية والقبائل البدوية التي نصبها سايكس بيكو على جغرافية العرب الذي عادوا إلى حروب داحس والغبراء بينهم كما كانوا قبل الاسلام: هم اليوم توابع إيران وتوابع اسرائيل

ومن يتصورون أنفسهم منهم شديدي الذكاء يحافظون على شعرة معاوية مع ايران واسرائيل ويتحاربون في ما بينهم لأن كلا منهما يتهم الثاني بكونه عميل حاميه ويدعي العروبة اكثر منه فيحاربه باسمها كذبا: والمثال هو فرعا حزب البعث وما بين دول الخليج من صراعات لا تخفى صلتها بالنكوص إلى الجاهلية

فبين أن ذلك يذكر بالمناذرة والغساسنة أي توابع فارس وتوابع بيزنطة. بيزنطة عوضتها اسرائيل والغرب وفارس عوضتها إيران وروسيا وبين طرفي الجزيرة والهلال وبقية جامعة المحميات العربية (لأنها ليست دولا) بقية العرب والمستعربين المتسولين لديهم ولدى الغرب والشرق مع التناحر والاحتماء بهما

فيكون العداء الدائم الوحيد المؤثر في خلق الجوارين أولا ثم في تفتيت جغرافية الإسلام في الإقليم وتشتيت تاريخيه هو العداء الداخلي بين العرب الذين نكصوا إلى علل ضعفهم الأبدي لأنهم هم من غلق قوسي الحضارة الإسلامية وصارت كل قبيلة تدعي أنها دولة: بابلية وفينيقية وفرعونية وقرطاجنية.

رمزهم الدال على هذا التفتت الجغرافي والتشتت التاريخي هو عين اسماء فرق كرة القدم تقريبا. ويقابل ذلك إيران التي تسعى لاسترداد امبراطورية فارس واسرائيل التي تسعى لاسترداد امبراطورية داود وبهذا السعي حصل الجواروهو يستمد بقاءه من استراتيجية واحدة حان أوان وصفها وبيان تماثلها العميق

وما كنت لأعلق على الصديق الشنقطي واعارض رؤيته لو لم أكن اعتقد أنها كل الاخطاء التي يقع فيها تحليل الوضعية الراهنة في الانقلاب الذي حصل بعد ضرب قنصلية ايران في سوريا وما تلاها من احداث الردود المتبادلة بين العدوين الدائمين والجارين الطارئين.

والعداوة والجوار ليسا علاقة بينهما وبين العرب بل بينهم وبين حضارة الإسلام لأن العرب هم أنفسهم لم يكونوا قبل الإسلام من معتبري تاريخ البشرية الذين صارت لغتهم لغة الحضارة العالمية لعشرة قرون متصلة ومن ثم المنعرج الأول الواصل بين قديم التاريخ الإنساني وحديثه. ثم نكصوا إلى البداوة

والمعلوم أن البداوة -كما قال ابن خلدون- مفضية إلى الهرج وتلك هي علة قوله كذلك بأن تفتت الأمم إلى تعدد العصبيات يؤدي إلى استحالة تأسس الدول ذات القيام المستقر. وذلك هو فضل الصديق: كان لا بد من اتمام توحيد الجزيرة العربية فكانت حرب الردة بعد حرب اخراج اليهود منها أي عدوي الإسلام.

استراتيجية العدوين الدائمين والجارين الطارئين هي احياء حرب الردة وحرب اليهود على الإسلام. فكيف ذلك؟ حتى نفهم ذلك فلنقرأ ما حدث في سوريا قبل تدخل بوتين لحماية مليشيات إيران في حربها على الربيع السوري ما يحدث في غزة قبل تدخل أمريكا لحماية عسكر اسرائيل في حربه على الطوفان.

كلا العدوين هزم واحتاج إلى الاحتماء بموظفه: إيران بروسيا واسرائيل بأمريكا. لكن التمويل في الحالتين كان ولا يزال من خزائن العرب ومن مؤامرات نخبهم العميلة. كلنا يعلم أن بوتين طلب التمويل وطبعا أمريكا لا تحتاج للطلب لأن قواعدها التي تحتل ارض العرب يمولها حكام العرب من رزق شعوبهم

وإذن فكلا العدوين يعتمدان على قوة عظمى تحميه في حالة الشعوب بقربه من الهزيمة وقوته إذن مستعارة من حاميه فيكون حاميا لعملاء له في الأقليم لكنه هو بدوره محمي من قوة اخترق نخبها وصار متحكما فيها إما مباشرة أو بصورة غير مباشرة.

وفي هذا الاختراق تقدمت إسرائيل على إيران: فهي اخترقت الغرب منذ ما يسمى بحركة الإصلاح المسيحي في بداية القرن السادس عشر عندما تأسست المسيحية البروتستانتية التي جعلت اليهودية مسيطرة وهي مصدر الصهيونية المسيحية المسيطرة على الولايات المتحدة الامريكية فاستسلمت الكاثوليكية أخيرا.

لكن سيطرة الغربين الأدنى (اوروبا) والأقصى (أمريكا) على العالم تمثل الارضية التي تستمد منها اسرائيل قوتها في حين أن ايران مسعاها هو محاولة السيطرة على المسلمين بالتشييع وقد فشلت لكنها استطاعت توظيف قضية فلسطين ورقة بعد استسلام العرب للتطبيع فاستمدت سلطانها من الإيهام بالمقاومة

والغرب يفهم ذلك ويعلمه علم اليقين: فعندما احتمت إيران به في تفكيك العراق وعندما احتمت بروسيا لتفكيك سوريا لم يبق خافيا عليه أن فارس تواصل سياسية الباطنية منذ اغتيال الفاروق إلى الفتنة الكبرى إلى الحلف مع الصليبيين ومع المغوليين ومع الاسترداديين ومع الاستعماريين إلى يوم الناس.

ففهموا أنها لا يمكن أن تقبل خسران ورقة فلسطين فتسمح بتحرر إرادة مقاومتها كما فعلت عندما تحررت من الأنظمة العربية وصارت معتمدة على نفسها لتحرير قطرها باستراتيجية ذاتية. فهموا أن مصلحة إيران في افشال الطوفان في فلسطين كما أفشلت الربيع في سوريا واليمن: فساعدها الغرب بضربة معلم.

لم يستطع الحوثي ولا حزب الله تمكين إيران من اثبات تبعية حماس لها فنالت حماس الريادة في المقاومة الجدية عسكريا وخاصة اعلاميا لأن كل الشعوب الغربية صارت أكثر إيمان بقضية فلسطين من الشعوب العربية لأنها فهمت الخبث الصهيوني وتجلى الكذب الإيراني ووحدة الساحات الدعائية: سر خطة الغرب

لا بد من قادع:

وفيه فائدة لإسرائيل ولإيران. كيف نخرج إسرائيل من وحل غزة فننقل المعركة إلى المتنافسين على قسمة أرض العرب الذين تبدو ويصبح الكلام في العالم على صراع في الظاهر أكبر وتصبح حماس في نظر الرأي العام الغربي مجرد أداة إيرانية هدفها هولوكوست يهودي ما في دعايتها المعلنة

يبدو كلامي مجرد تخمين يصعب تصديقه لولا وجود حقيقتين لا ينازع فيهما إلا الحمقى: 1-هل يمكن أن تضرب إسرائيل القنصلية في قلب دمشق من دون أن تراها عين روسيا التي تتحكم في سماء سوريا كلها؟  وهل تقدم اسرائيل على ذلك من دون ضوء أخطر أمريكي؟

لكن أكثر من ذلك: 

كيف علمت إسرائيل بالاجتماع الذي كان الفرصة لتضرب القنصلية لتقتل أكبر قيادات ما يسمى بوحدة الساحات؟ فإما المعلومة روسية أو امريكية ولا أستبعد أن تكون حتى باختراق لفيلق القدس بسبب التنافس بين قياداته لأنه لا يختلف عن جيوش العرب المخترقة من الاستعلامات الغربية

وبذلك تسترد إيران المبادرة لتدعي أنها:

1- مستعدة للتنازل على الرد لو أن اسرائيل توقف الحرب في غزة فتحافظ بذلك على دعوى تحقق ما عجز دونه كل الاعراب فتستفيد من دم غزة دون كلفة.

2- أو ترد بصورة رمزية حتى تثبت قوتها فتفاوضها أمريكا على دور منتظر في الإقليم مقابل وأد الطوفان كالربيع

ذلك ما اتوقعه:

تمديد عمر ناتن ياهو لينهي الطوفان ولا أحد سمع ولا رأي لأن الرأي العالم لم يعد له كلام إلا على المبارزة بين ممثلين لفيلم هوليودي يتصارع فيه متنافسان على أرض حمق العرب الذين تبدوا والفرق الوحيد بين ما قبل الإسلام الآن هو أن داحس والغبراء عوضتهما فرق كرة القدم والرقص

وأخيرا فإني مع ذلك لم أفقد الأمل في أن شباب الأمة لن يستسلم:

فلا الربيع اندحر حقا لأنه المقاومة ما تزال جارية في كل بلاد الربيع وهي حققت نهاية سايكس بيكو فأزالت الحدود ولا الطوفان سيتوقف قبل هزيمة اسرائيل وإيران الحاصلة حتما بإذن الله وعونه: الاستئناف آت. فالله لا يخلف وعده

ملاحظة:

تونس رمز لمحاربي الإسلام ففيها تأسست أول دول الباطنية وفيها أكبر محج بعد القدس (الغريبة) وفيها بدأ الربيع وفيها ما يزال يقاوم وفيها الوعي الدقيق بكونها لن تخرج من مأزقها من دون استئناف ثورة الربيع ووصلها بثورة الطوفان.

Please follow and like us:
د. أبو يعرب المرزوقي
فيلسوف عربي تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قناة جريدة الأمة على يوتيوب