هي تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية (575 – 24ھ/ 645)، لقبت بـ: “الخنساء” لارتفاع أرنبة أنفها، وتكنى: أم عمرو، وسميت في بادئ الأمر: (تماضر) لبياض لونها، إذ كانت العرب تسمي المرأة ذات البشرة البيضاء: (تماضر).
وهي صحابية جليلة وشاعرة مخضرمة، أدركت الجاهلية والإسلام، تعد أشهر شاعرة في تاريخ العرب بل في الإسلام أيضًا، واشتهرت بشكل واسع بشعر الرثاء، خاصة في رثاء أخويها صخر ومعاوية، قال لها النابغة الذبياني في سوق عكاظ عندما أنشدته مرثيتها في أخيها صخر: ” لو لا أن هذا الأعمى أنشدني قبلك -يعني الأعشى- لفضلتك على شعراء هذا الموسم”، إسلامها: قدمت مع قومها من بني سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلمت وحسن إسلامها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجب بشعرها عندما تنشده شعرها، وكان يحثها على الاستمرار بقوله: «هيه يا خنساء» كما لقبت بـ: “أم الشهداء”، بعد أن استشهد أبناؤها الأربعة في معركة القادسية.
كما ذُكر أن أكثر شعر الخنساء في رثاء أخويها معاوية وصخر، وكان معاوية أخاها لأمها وأبيها، وكان صخر أخاها لأبيها، وأحبهما إليها، واستحق صخر ذلك منها، لأنه كان صاحب الأيادي البيضاء عليها، ولأنه كان موصوفًا بالحلم والكرم، ومشهورًا بالجود والعطاء، معروفًا بالإقدام والشجاعة، محبوبًا محترمًا في العشيرة، وقد كان من أجمل رجال العرب.
فلما قُتل صخر جلست الخنساء على قبره زمنًا طويلًا، تبكيه وترثيه طويلًا بأبلغ ما قال الشعراء في الرثاء، وقد أجمع الشعراء على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، فمن شعرها في رثاء أخيها صخر:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني
فقد أضحكتني زمنًا طويلًا
بكيتك في نساء معولات
وكنتُ أحق من أبدى العويلا
دفعتُ بك الجليل وأنت حيّ
فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل
رأيت بكاءك الحسن الجميلا
ومن أبياتها الخالدة في الارتباط بزمن طلوع الشمس وغروبها:
يذكرني طلوع الشمس صخرًا
وأذكره بكل مغيب شمس
فلو لا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
سبب بكائها على صخر: قابلتها السيدة عائشة رضي الله عنها، بعد ما مات أخوها صخر، وهي محزونة محلوقة الرأس، تدب من الكبَر والضعف، مستندة إلى عصا، فسألتها عائشة: ما الذي بلغ بك ما أرى.. ؟ فقالت: موت أخي صخر، فقالت عائشة: ما دعاك إلى هذا إلا صنائع جميلة، فصفيها لي! قالت الخنساء: نعم. ذلك أن زوجي كان رجلًا متلافًا للأموال، يقامر بالقداح، فأتلف فيها ماله، حتى بقينا على غير شيء، فأراد أن يسافر، فقلت له: أقم وأنا آتي صخرًا فأسأله، فأتيته فشكوت إليه حالنا و قلة ذات أيدينا، فشاطرني ماله، فانطلق زوجي فقامر به، فقمر حتى لم يبق لنا شيء، فعدت إليه في العام المقبل، أشكو إليه حالي، فشاطرني بمثل ذلك، فأتلفه زوجي، فلما كان في الثالثة أو في الرابعة، خلت بصخر امرأته فعذلته، ثم قالت: إن زوجها مقامر، وهذا ما لا يقوم به شيء، فإن كان ولا بد من صلتها فأعطها خمس مالك، فإنما هو متلف، والخير والشر فيه سيان، فلم يرض صخر بذلك، بل شطر ماله شطرين، وأعطاني أفضلهما، فلما مات صخر، حزنت بموته حزنًا كما ترينني، وحق لي البكاء والعزاء.
إعجاب النبي بشعرها: ولما قدمت الخنساء على رسول الله صلى اللّٰه عليه وسلم استسلمها (أي دعاها للإسلام ) فأسلمت، واستنشدها، فأنشدت، فأعجب بشعرها، وهو يقول: هيه يا خنساء، ثم انصرفت ولم تنقطع عن أوجاعها وأناتها حتى بعد الإسلام، بل كانت تقص شعرها، وتلبس ثوبًا خلَقًا من الجنس الأسود، وتندب أخويها على عادة العرب في جاهليتها.
عمر ينصحها: فلما رآها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم أثناء طوافها بالكعبة، وهي على هذه الحال، تقدم إليها ونصحها كثيرًا، فأجابته: لم تصب امرأة بمثل ما أُصبتُ، فكيف أتحمل مضضي فراق فارسين فقدتهما، فأجابها عمر بما هوّن عليها المصيبة، وذكر لها أن مصائب كثير من الناس أشد هولًا لو اطلعت على بواطن أمرهم، وقال لها: إن ما هي عليه من الحداد من بدع الجاهلية التي حرّمها الإسلام، فامتثلت أمره.
استشهاد أبنائها الأربعة: وكانت الخنساء رحمها الله صادقة الأيمان باسلة مقدامة، فمما يؤثر عنها أنه لما سارت جيوش العرب لفتح بلاد فارس، انضمت إليهم، معها أبناؤها الأربعة، وحضرت واقعة ( القادسية) المشهورة، وفي ليلة الواقعة زودت أبناءها بالنصيحة تذكي حميتهم، و تبعث حنينهم إلى الشهادة في سبيل الله، وترغبهم في نيل شرفها، فمما قالته لهم:
« يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، فاعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية، اصبروا ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنوا امرأة واحدة ما خانت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجّنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، فإذا أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، وإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارًا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة ».
فخرج أبناؤها الأربعة قابلين لنصحها، ممتثلين لأمرها، فتقدموا واحدًا بعد واحد، ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية أمهم العجوز، وقاتلوا بشجاعة، وأبلوا بلاء حسنًا، حتى استشهدوا عن آخرهم، فلما بلغها الخبر، قالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته».
هكذا تكون بنت الإسلام الحقيقية.. وهكذا يكون إسلامها وإيمانها، ورضاها بقضاء الله وقدره، تُقَدّم أبناءَها الأربعة في كبر سنها، وهي في أشد حاجة إليهم، تُقدّمهم إلى ساحة القتال، وتحرضهم على نيل شرف الشهادة في سبيل الله، فلما يأتيها خير استشهادهم عن آخرهم، لا تجزع ولا تنوح ولا تولول، بل تحمد الله تعالى أن شرفها بقتلهم في سبيله، راجية أن تجتمع بهم في دار الرحمة والكرامة.
ولكن أين بنات الإسلام من الخنساء في هذا الزمان؟!
(الخميس: 10 من جمادى الأولى 1448ھ = 22 من أكتوبر 2026م)







