في الوقت الذي تحشد فيه إسرائيل اليهود من شتى بقاع العالم وتشجيعهم للهجرة إليها، تشير معطيات عام 2024 إلى مغادرة 82 ألفا و700 إسرائيل في حين لم يتجاوز عدد القادمين 32 ألف مهاجر.
وتبدأ الحملة الصهيونية في الترويج بين الأوروبيين والأمريكيين، لتشجيع هجرتهم إليها من خلال إلى التبشير بأسطورة “أرض الميعاد” و تأسيس “وطن قومي” لليهود، ويصل المهاجرون اليهود من قارات مختلفة إلى فلسطين المحتلة، وكان آخرهم 225 يهوديا وصلوا قبل أيام على متن طائرة تابعة لخطوط “إل عال” الإسرائيلية قادمين من أميركا الشمالية.
نيفش بنيفش
وتعد منظمة “نيفش بنيفش” اليهودية التي تنشط في أميركا الشمالية من أكثر المنظمات التي تعمل على تشجيع هجرة اليهود إلى “دولتهم” بالتعاون مع وزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية، والوكالة اليهودية.
وأول ما تبدأ به منظمة ” نيفش بنيفش” حين تنجح في استقطاب يهود جدد للأراضي المحتلة، دعوتهم بمجرد وصولهم للأراضي المحتلة على اقتحام المسجد الأقصى المبارك، ونشرت منظمات الهيكل المتطرفة مقطع فيديو يُظهر أفراد أسرة وهم يصلّون في الساحات الشرقية من المسجد، قادمين من مطار “بن غوريون” الدولي في مدينة اللد باقتحام المسجد الأقصى.
الهجرة اليهودية إلى فلسطين منذ أواخر القرن الـ19 لم تكن مجرّد انتقال جغرافي، بل مشروع سياسي ورواية أيديولوجية صاغتها الحركة الصهيونية التي رسمت لليهود صورة أسطورية تُغذّيها نصوص دينية وروايات قومية، تؤكد أنهم “يعودون” إلى أرض وُعِدوا بها، وتُخفي واقع الاقتلاع والمعاناة التي لحقت بأصحاب الأرض الأصليين.
وفي حوار شبكة “الجزيرة” القطرية مع الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزّاوي عن الفكر الذي يحمله المهاجرون اليهود، والجهات التي تعمل على زرع الرواية التوراتية في عقولهم، يقول إن إسرائيل شهدت تقلبا ملحوظا في أعداد المهاجرين اليهود الوافدين بموجب “قانون العودة”، فقد سجلت سنة 2022 ذروة استثنائية بقدوم نحو 73 ألف مهاجر، وهو أعلى رقم منذ نهاية التسعينيات، وذلك على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية التي دفعت عشرات الآلاف من روسيا وأوكرانيا إلى الهجرة نحو إسرائيل.
تراجع أعداد المهاجرين بعد الحرب
غير أن هذا الارتفاع لم يدم طويلا، إذ تراجع العدد عام 2023 إلى ما يقارب 46 ألفا، وهو ما بقي رغم ذلك ثاني أعلى رقم منذ عام 2000.
وفي عام 2024، استمر الانخفاض ليصل عدد المهاجرين الجدد ما بين 32 ألفا و33 ألفا، أي بتراجع يقارب الثلث مقارنة بالعام السابق، وتشير بيانات مكتب الإحصاء المركزي والوكالة اليهودية إلى أن الفارق الطفيف بين أرقامهـما يعود إلى اختلاف طرق العد والفترات الزمنية المعتمدة.
أما في الفترة الواقعة بين عيد الفصح من عام 2024 وعيد الفصح عام 2025، فقد أعلنت وزارة الهجرة والاندماج عن استقبال أكثر من 27 ألف مهاجر جديد، في حين سجلت قنوات خاصة مثل منظمة “نيفيش بنيفيش” إدخال ما يزيد عن ألفي مهاجر من أميركا الشمالية منذ بداية 2025.
روسيا أكثر المصدرين للمهاجرين اليهود
في عام 2023 تحديدا، برز التوزيع الجغرافي لمصادر المهاجرين بشكل لافت، حيث شكّل القادمون من روسيا نحو 73% من مجمل المهاجرين، تلاهم القادمون من أوكرانيا وبيلاروسيا بنسب أقل، بينما لم تتجاوز نسبة المهاجرين من الولايات المتحدة 5%، ومن فرنسا حوالي 2%، وتؤكد هذه المعطيات أن فضاء الاتحاد السوفياتي السابق لا يزال يشكل المصدر الأساسي لليهود المهاجرين إلى فلسطين.
ورغم استمرار تدفق الوافدين، فإن معطيات عام 2024 أظهرت صورة مغايرة على صعيد “الهجرة الصافية”، فقد غادر البلاد أكثر من 82 ألفا و700 مقيم، في حين لم يتجاوز عدد القادمين الجدد 32 ألفا، إلى جانب عودة نحو 24 ألفا من الإسرائيليين المقيمين في الخارج.
هذا التفاوت كشف عن عجز واضح في ميزان الهجرة انعكس بشكل مباشر على معدّل النمو السكاني.
ومنذ عام 1948 حتى اليوم، استقبلت إسرائيل أكثر من 3 ملايين و400 ألف مهاجر، وصل نصفهم تقريبا في تسعينيات القرن الماضي في أعقاب موجات الهجرة الكبرى من دول الاتحاد السوفياتي السابق.
وتعكس هذه المعطيات هشاشة المشروع الديمغرافي الإسرائيلي الذي يقوم على استجلاب المهاجرين اليهود كرافعة مركزية لتعزيز الأغلبية اليهودية، فبينما شكلت الأزمات الدولية -مثل حرب أوكرانيا- عاملا محفزا لموجة هجرة غير مسبوقة في 2022، تكشف الأرقام اللاحقة عن محدودية قدرة إسرائيل على استدامة هذا التدفق، فالتراجع المستمر خلال عامي 2023 و2024، مقابل ارتفاع ملحوظ في معدلات الهجرة المعاكسة، يبرز معضلة ديمغرافية بنيوية تتمثل في صعوبة الحفاظ على ميزان إيجابي للهجرة.
وهذا يضع بدوره تحديا إستراتيجيا أمام الرواية الصهيونية التي ربطت على الدوام بين “الهجرة” و”البقاء”، ويشير إلى أن الاعتماد على الخارج لتجديد البنية السكانية يواجه حدودا موضوعية في ظل تغير السياقات الدولية والإقليمية.
ارتفاع أعداد المغادرين
وتكشف الإحصائيات عن عجز في ميزان الهجرة نتيجة ارتفاع أعداد المغادرين مقارنة بالوافدين، وهو ما يعكس أن الحرب لم تحفز موجة هجرة جديدة، بل عززت حالة التردد والشكوك حيال جدوى الانتقال إلى إسرائيل في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية الراهنة.
أفكار متطرفة
يقول الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزّاوي “يصل المهاجرون الجدد إلى إسرائيل محملين برؤية أيديولوجية مسبقة صاغتها المؤسسات الصهيونية في بلدان المهجر، حيث يُهيؤون ذهنيا للنظر إليها باعتبارها “الوطن القومي” لليهود و”الملاذ الآمن” من معاداة السامية”.
وفي المقابل، يُقدَّم الفلسطينيون في هذه الروايات المشوّهة كتهديد أمني أو كعقبة أمام الاستقرار، لا كأصحاب الأرض الأصليين، هكذا تتشكل لدى المهاجر قناعة بأن وجوده هنا ليس خيارا فرديا فحسب، بل واجب قومي.
وتقف وراء هذا الخطاب منظومة واسعة من المؤسسات، أبرزها الوكالة اليهودية التي تدير ملفات الهجرة منذ عقود، والمنظمة الصهيونية العالمية التي ترعى النشاط التعليمي والدعوي في الشتات، إلى جانب كيانات ناشطة في أميركا الشمالية.
وأبرز هذه الجهات هي:
الوكالة اليهودية (Jewish Agency for Israel): وهي الجهة المركزية في تنظيم الهجرة منذ عام 1948، ولا يقتصر دورها على تقديم خدمات لوجستية فقط، بل تُمرر خطابا أيديولوجيا يؤكد أن الهجرة “واجب قومي” وأن إسرائيل “ملاذ آمن”.
المنظمة الصهيونية العالمية (World Zionist Organization – WZO): تدير نشاطات تعليمية ودعوية في الشتات، وتبث روايات تمجّد “العودة” وتنفي وجود الفلسطينيين كأصحاب حق.
“نيفش بنيفش” Nefesh B’Nefesh: وهي إحدى المنظمات الداعمة في أميركا الشمالية، ولا يقتصر دورها على تسهيل السفر والإقامة، بل تبني خطابا متعلقا بالهوية يربط بين “القدوم” و”تحقيق الذات اليهودية”، وفيه تغذية ضمنية للصورة السلبية عن العرب والفلسطينيين.
البرامج الشبابية مثل Birthright Israel (تاغليت): تنظم رحلات قصيرة لليهود الشباب من العالم، تقدّم لهم رواية انتقائية عن إسرائيل، مع تغييب أو تشويه وجود الفلسطينيين.
كيف يتم إقناع المهاجرين اليهود بإسرائيل؟
و لغرس المشروع في عقلية المهاجرين اليهود لإسرائيل، يتم زرع بعض الروايات في أذهان المهاجرين الجدد تضعهم في موقع “المالك الشرعي” للأرض، وتُقصي الفلسطيني من المشهد أو تُشيطنه كتهديد.
عندما يصل هؤلاء المهاجرون إلى البلاد يتحرك بعضهم انطلاقا من هذه القناعة، فيرون أن الاندماج في المشروع الاستيطاني لا يكتمل إلا عبر المشاركة المباشرة في “المعركة على الهوية والسيادة”، ومن هنا جاءت مشاهد ذهاب مجموعات من المهاجرين الجدد مباشرة من المطار إلى القدس، حيث شاركوا في اقتحامات جماعية لساحات المسجد الأقصى، باعتبارها خطوة رمزية تُجسد امتلاكهم للمكان وتثبت وجودهم فيه.
هذا السلوك يكشف أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي فعل استعماري مسيس مدفوع بخطاب مؤسساتي أيديولوجي، وتكمن خطورة ذلك في أن المهاجر الجديد يتحول إلى فاعل مباشر في الصراع منذ لحظة وصوله، ويعزز الطابع العدواني للهجرة بوصفها أداة لفرض السيطرة على الأماكن المقدسة وعلى الفضاء الفلسطيني عموما.
وبذلك، تتحول برامج الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية و”Birthright Israel” إلى ما يشبه “معسكرات إعداد ذهني”، تهيئ المهاجر لأن يكون جزءا من المواجهة الميدانية مع الفلسطينيين، لا مجرد مقيم يبحث عن حياة جديدة.
كما يتضح من معطيات الهجرة اليهودية الأخيرة وما يرافقها من روايات أيديولوجية جوهر المشروع الصهيوني بوصفه مشروعا احتلاليا يسعى لإعادة إنتاج نفسه ديمغرافيا ورمزيا، فبينما تتراجع أعداد المهاجرين ويزداد نزيف الهجرة العكسية، ويستمر ضخ خطاب مشوّه يُقدَّم فيه الكيان كـ”ملاذ قومي” ويُقصى الفلسطيني من المشهد.
وبحسب الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزّاوي تكمن خطورة هذه السردية في أنها لا تبقى في إطار الأفكار، بل تتحول إلى ممارسات مباشرة على الأرض، من اقتحامات المسجد الأقصى إلى الترويج لمشاريع بناء “الهيكل”، مما يجعل الهجرة فعلا سياسيا بامتياز يرسخ الاستيطان ويعمق الصراع.
وأوضح أن الرواية التي تُسوق لبناء “الهيكل” ليست مجرد أوهام دينية، بل مشروع سياسي استعماري ممنهج تسعى من خلاله جهات إسرائيلية وصهيونية إلى فرض الهيمنة الكاملة على المسجد الأقصى، وتلعب في هذا السياق مؤسسات مثل الوكالة اليهودية، والمنظمة الصهيونية العالمية، وكيانات ناشطة إضافة إلى برامج شبابية، دورا محوريا في زرع هذه السردية في عقول المهاجرين الجدد وتحويلهم إلى أدوات في الصراع على الأرض والمقدسات.
وتكمن خطورة هذه الرواية في تجييش المهاجرين والجمهور الإسرائيلي خلف مشروع استيطاني يهدد بإشعال المنطقة.
ويطرح الكاتب والباحث الأكاديمي ساهر غزّاوي لمواجهة هذه الرواية المشوّهة، فكرته بأنه لا يكفي فضح أكاذيبها، بل يجب تفكيكها باعتبارها أداة استعمارية لشرعنة الإقصاء والاستيطان، وفي المقابل إبراز الرواية الفلسطينية الأصيلة التي تؤكد حق الفلسطينيين التاريخي في أرضهم، من خلال خطاب إعلامي وحقوقي واضح يربط بين الهجرة اليهودية وسياسات الاستيطان والتهجير، ويعيد الفلسطيني إلى مركز المشهد كصاحب الأرض والحق.