كتاب “الإسلاميون بين الثورة والدولة: إشكالية إنتاج النموذج وبناء الخطاب” هو مؤلف فكري وسياسي للباحث والأكاديمي اللبناني الدكتور عبد الغني عماد، صدرت طبعته الأولى عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 2013م، ويقع في 304 صفحات.
يأتي العمل في سبعة فصول، ويتناول بالدرس والتحليل التحدي الأكبر الذي واجه الحركات الإسلامية عقب ثورات ما سمي “الربيع العربي”، والمتمثل في انتقالها المفاجئ من خطاب المعارضة الأيديولوجي إلى ممارسة الحكم وإدارة شؤون الدولة.
مقدمة
في خضم التحولات العنيفة التي شهدها العالم العربي بعد عام 2011م، وجدت الحركات الإسلامية نفسها فجأة على أعتاب السلطة، وهو ما شكل اختباراً وجودياً لها بعد عقود من العمل في المعارضة.
هنا يأتي كتاب “الإسلاميون بين الثورة والدولة” ليقدم قراءة سوسيولوجية لهذه اللحظة الفارقة، محاولاً تفكيك الإشكالية الجوهرية التي واجهت الإسلاميين: كيف يمكن التوفيق بين النموذج المثالي للدولة الإسلامية في أذهانهم، وبين متطلبات الحكم الواقعي في دولة مدنية حديثة قائمة على التعددية والديمقراطية؟
إلا أن الكتاب، رغم قيمته الأكاديمية، يظلم الإسلاميين حين يتعامل معهم كمجرد “ظاهرة” بحاجة إلى تفكيك، متجاهلاً أنهم الضحايا الأبرز لآلة القمع التي شنتها الجيوش العربية، والغرب الذي لم يتوان عن دعم الأنظمة الاستبدادية، وممالك النفط التي ترى في أي حرية تهديداً لعرشها.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يرى المؤلف أن الظاهرة الإسلامية ليست نبتاً دخيلاً على المجتمعات العربية، بل هي تعبير حقيقي عن أزماتها السياسية والاجتماعية والثقافية.
إلا أن الإسلاميين قدموا خطابهم على مدى سنوات في سياق “الدعوة” و”المعارضة”، وعندما وصلوا إلى الحكم، أصبحوا مطالبين بإنتاج خطاب جديد ينتمي إلى سياق “الدولة” يختلف جذرياً عن سابقه.
ويركز عماد على أن هذه الفجوة بين الطوبيا والواقع هي جوهر الأزمة، ويرى أن تجربة الإخوان في مصر وسقوط حكمهم السريع لم تكن نهاية للإسلام السياسي، نظراً للطبيعة البراغماتية لهذه الحركات وقدرتها على التكيف.
ويخلص إلى أن هذه المرحلة هي امتحان تاريخي لمدى قدرة الإسلاميين على تجاوز أيديولوجيتهم لصالح بناء دولة مؤسساتية تتعامل مع تنوع المجتمع وتعقيداته.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يقسم الكتاب إلى سبعة فصول رئيسية، تتدرج من التأصيل النظري إلى التحليل التطبيقي للمشهد الإسلامي بعد الثورات:
الفصل الأول:
في الثورة والسلطة والفقيه، وهو بمثابة المدخل المنهجي، حيث يستعير المؤلف أدوات تحليلية من علم الاجتماع، كـ”النماذج المثالية” لماكس فيبر، ليناقش العلاقة بين النموذج الطوباوي للدولة وممارستها الواقعية.
الفصل الثاني:
الدين والدولة وإشكالية المرجعية على وقع الثورات العربية، يرصد فيه جهود رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر (كمحمد عبده ورشيد رضا) التي دعت للحكم الدستوري والتداول السلمي للسلطة.
الفصل الثالث:
الحراك الإسلامي: تحديات الدولة ومهام الدعوة، وهو الأكثر تطبيقاً، حيث يحلل مواقف التيارات الإسلامية المختلفة (الإخوان، السلفيون، النهضة التونسية، العدالة والتنمية المغربي) من ثورات 2011.
الفصل الرابع:
الاجتهاد والتجديد والخطاب الإسلامي المعاصر، يناقش فيه بالتفصيل مفهوم “الدولة المدنية” كما يطرحه مفكرون إسلاميون معاصرون.
الفصل الخامس:
الحركات الإسلامية وإشكالية تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو فصل جوهري يعالج إحدى القضايا الأكثر إشكالية في الخطاب الإسلامي.
الفصل السادس:
الإسلاميون والآخر: بين المفاضلة والمفاصلة والمواطنة، يتتبع تطور الخطاب الإسلامي من التمييز ضد غير المسلمين، مروراً بالانفصال عنهم، وصولاً إلى محاولات تأسيس “فقه المواطنة”.
الفصل السابع:
الدولة والدعوة: دراسة مقارنة بين التجربتين الإيرانية والتركية، يختتم الكتاب بمقارنة بين النموذج الإيراني القائم على ولاية الفقيه والنموذج التركي الإصلاحي لحزب العدالة والتنمية.
اقتباسات من الكتاب
يرى عماد أن شعار “الدولة الإسلامية” لم يكن واردا في أدبيات رواد النهضة قبل الاستعمار المباشر، حيث كان الهم الأكبر لديهم هو إصلاح الواقع السياسي القائم وتحديث مؤسساته، وليس استبداله بنموذج آخر.
ومن أقواله المهمة: “الدولة إطار ديناميكي لتنظيم الولاء والاختلاف ومؤسسات عملية، وليست فكرة أو جهازا عقائديا، ولا يمكنها أن تكون مؤسسة دعوية، وقد تصبح تجربتها نموذجا يستلهم منه الآخرون، لكنها لن تصبح كذلك ما لم تحل مشاكل الفقر والظلم والتخلف الاجتماعي والاقتصادي والاستبداد السياسي”.
كما يرى الكاتب أن لدى الإسلاميين حساسية بالغة من مقولة فصل السياسة عن الدين التي يطرحها بعض العلمانيين لتصيب جوهر الممارسة السياسية وحرية المعتقد والرأي، كما أن لدى العلمانيين حساسية مشابهة من الاستخدام المكثف للمصطلحات الدينية في العمل السياسي.
أهم أقوال الكتاب
من أبرز ما يقرره الكتاب أن سقوط حكم الإخوان في مصر بهذه السرعة لا يعني نهاية تيار الإسلام السياسي، فمثل هذه التصورات تنطوي على تفكير يحمل نزعة إقصائية لا تدرك عمل وتطور الحركات الإسلامية وخبرتها طيلة السنوات الماضية.
ويضيف المؤلف أن التيار الإخواني يتميز بنزعة براجماتية واضحة لا يخطئها من يقرأ تاريخ وتجربة هذا التيار، مما يجعله قادراً على التكيف مع المتغيرات رغم الحملات الشرسة التي يتعرض لها.
أهمية الكتاب
يكتسب الكتاب أهميته من كونه صدر في لحظة تاريخية فاصلة، حيث كان الإسلاميون في ذروة قوتهم الانتخابية، ليقدم قراءة استباقية لمعضلاتهم المستقبلية.
كما يكمن الإنجاز في منهجه الذي مزج بين التحليل السوسيولوجي النظري والمراقبة الميدانية للحركات، محاولاً تفسير الظاهرة في سياقها البنيوي بدلاً من وصف الأحداث فقط.
ويعد مرجعاً أساسياً لفهم الإشكاليات العقائدية والسياسية التي واجهها الإسلاميون في السلطة، ولا سيما أزمة “المرجعية” و”النموذج”.
نقد الكتاب
رغم قيمته الأكاديمية، إلا أن الكتاب يظلم الإسلاميين حين يتعامل معهم كظاهرة اجتماعية بحاجة إلى “تفكيك”، متجاهلاً السياق الأوسع للقمع الذي تعرضوا له.
فالإسلاميون لم يفشلوا فقط بسبب “فجوة الخطاب” كما يصور المؤلف، بل لأن الجيوش العربية انقلبت عليهم في مصر، والغرب ساند هذا الانقلاب، وممالك النفط مولت الإعلام المضاد لهم.
كما أن بعض النقاد يرون أن الكتاب طغى عليه الهم المصري والتونسي، وتغافل إلى حد كبير عن تجارب الإسلاميين في بلدان أخرى كالأردن واليمن ولبنان.
أيضاً، يعتبر البعض أن الكتاب صدر في وقت مبكر جداً (2013) بحيث لم يستطع استيعاب التحولات الكبرى اللاحقة، وفي مقدمتها الانقلاب العسكري في مصر، وتطور علاقة الحركات بالدولة العميقة.
والأخطر من ذلك، أن الكتاب يغفل حقيقة أن الإسلاميين كانوا ضحايا قبل أن يكونوا حكاماً، فقد ملأت سجون الجيوش العربية أجسادهم، ومزقت ممالك النفط أوطانهم، ودعم الغرب كل من يحاربهم باسم “مكافحة الإرهاب”.
كتب مشابهة
يقع هذا الكتاب ضمن حقل دراسات الإسلام السياسي والتحولات الديمقراطية، ومن الكتب المشابهة له في الموضوع والمنهج:
“الحركات الإسلامية في الوطن العربي” (موسوعة من مجلدين أشرف عليها عماد نفسه).
“السلفيون والربيع العربي: سؤال الدين والديمقراطية في السياسة العربية” لمحمد أبو رمان.
كتب عن تجارب محددة كحركة النهضة التونسية والإخوان في مصر، ومنها “الإسلاميون حين يحكمون: قراءة في الإسلام السياسي” لخليل البنا.
ربط الكتاب بالواقع الآن
لا تزال التساؤلات التي طرحها عماد قبل عقد من الزمن حاضرة بقوة في المشهد السياسي الراهن، لكن السياق تغير بشكل جذري.
فبعد الإطاحة بحكم الإخوان في مصر وتراجع نفوذ “النهضة” في تونس، يبرز سؤال المصير والمستقبل أمام الحركات الإسلامية التي تحاول إعادة تعريف نفسها.
وما زال الجدل حول “الدولة المدنية” و”المواطنة” و”تطبيق الشريعة” يشغل الساحة الفكرية والسياسية، بينما تسعى بعض التيارات إلى إثبات قدرتها على التكيف مع الواقع الجديد والعمل ضمن المؤسسات.
لكن الأهم اليوم هو إدراك أن الإسلاميين لم يسقطوا بسبب خطابهم فقط، بل بسبب تحالف دولي وإقليمي ضدهم، حيث استخدمت الجيوش العربية القمع المفرط، وساند الغرب الانقلابات، ومولت ممالك النفط الإعلام المضاد.
وهذا ما يجعل قراءة كتاب عماد أكثر إلحاحاً لفهم ماضي هذه الحركات وحاضرها ومستقبلها المحتمل، مع ضرورة تجاوز افتراضاته التي تحمّل الإسلاميين مسؤولية أكبر مما يستحقون.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
الدكتور عبد الغني عماد (1952 – 2020) هو كاتب وباحث وأكاديمي لبناني بارز، يُعد من أبرز علماء الاجتماع العرب المتخصصين في تحليل الحركات الإسلامية والفكر السياسي المعاصر.
حاصل على دكتوراة دولة في علم اجتماع المعرفة، شغل منصب عميد معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، وكرس حياته الأكاديمية لدراسة إشكاليات الدين والسياسة في المجتمعات العربية.
ترك إرثاً فكرياً غنياً تجاوز 30 مؤلفاً، من أبرزها: “حاكمية الله وسلطان الفقيه”، و”الحركات الإسلامية في لبنان – إشكالية الدين والسياسة في مجتمع متنوع”، و”ثقافة العنف في سوسيولوجيا السياسية الصهيونية”، و”صناعة الإرهاب في البحث عن موطن العنف الحقيقي”.
تميز منهجه بالجمع بين النظريات السوسيولوجية والمراقبة الميدانية، مما جعله مرجعاً أساسياً للباحثين في العلوم الاجتماعية والدراسات الإسلامية حتى وفاته.
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي، يقدم الكتاب قراءة موضوعية للحركات الإسلامية من خارج إطارها، مما قد يُنظر إليه على أنه تجاوز للخطاب الدعوي والثوابت في بعض جوانبه.
إلا أن قيمة الكتاب تكمن في كونه محاولة جادة من باحث مسلم لفهم أزمات مشروعه السياسي، وطرح أسئلة حول إشكاليات التطبيق دون الخوض في مسائل العقيدة.
قد يرى بعض الإسلاميين أن تركيزه على التناقضات بين الطوبيا والواقع فيه مبالغة، بينما يستفيد آخرون من نقده البناء لتطوير خطابهم السياسي وأدواتهم العملية.
لكن الميزان الإسلامي الحقيقي يقتضي الإنصاف: فالإسلاميون قدموا التضحيات الأكبر، وسُجنوا وقُتلوا وشُردوا، بينما لم يقدم المؤلف قراءة موازية لجرائم الجيوش والغرب وممالك النفط بحقهم.
يبقى الكتاب مادة خصبة للحوار، لكنه يحتاج إلى قراءة نقدية تكمل ما نقص، وتضع الأمور في نصابها الصحيح.
—







