يصدر للقارئ العربي كتاب «مذكرات نيلسون مانديلا: حواري مع نفسي» في ترجمة جديدة عن دار شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت، ليكشف عن الوجه الإنساني للزعيم الجنوب أفريقي الذي قضى 27 عاماً خلف قضبان نظام الفصل العنصري.
يمثل الكتاب وثيقة نادرة لا تكشف فقط عن مسار نضال سياسي، بل تقدم صورة غير مسبوقة لرجل كان يكتب رسائله في زنزانته بخط دقيق، ويحتفظ بملاحظاته على رزنامة مكتبه، مسجلاً أحلامه ومخاوفه وشكوكه اليومية.
يضم الكتاب الذي تبلغ عدد صفحاته 496 صفحة مقدمة كتبها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، الذي يصف فيه الكتاب بأنه يقدم للعالم خدمة استثنائية برسمه صورة مانديلا الإنسان لا الأسطورة .
تعريف بالكتاب
يعد كتاب «حواري مع نفسي» تجميعاً لمادة أرشيفية ضخمة تم جمعها من المؤسسة التي تحمل اسم مانديلا، ويشمل مواد متنوعة جمعت خلال أكثر من 70 ساعة من الأحاديث المسجلة، ومسودات غير مكتملة للسيرة الذاتية، إضافة إلى رسائل لم ترسل إلى أصحابها بسبب رقابة السجون، وملاحظات مقتضبة دونت على هوامش الاجتماعات والمناسبات .
صدر الكتاب باللغة الإنجليزية عام 2010، بينما صدرت الطبعة العربية عام 2013 بترجمة حنان محمد كسروان، وهي الطبعة التي اعتمدت على أرشيف مانديلا الشخصي الذي ظل حبيس الأدراج لعقود طويلة .
مقدمة
احتوى الكتاب على تقديم مهم كتبه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي زار زنزانة مانديلا السابقة في سجن جزيرة روبن قبل أن يصبح رئيساً .
يقول أوباما في مقدمته إن هذا العمل يقدم إلى العالم خدمة استثنائية لأنه يرسم صورة مانديلا الرجل بعيداً عن صورته النمطية كأسطورة تغير التاريخ، مضيفاً عبارته الشهيرة: في الحياة الواقعية لا نتعامل مع آلهة بل مع بشر عاديين مثلنا، رجال ونساء تملؤهم التناقضات، يتسمون بالاستقرار والزعزعة، والقوة والضعف .
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
ينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء رئيسية تستعير عناوين الأشكال الكلاسيكية القديمة، وهي الرعوي والدرامي والملحمي والتراجيدي-كوميدي، نظراً لولع مانديلا الشديد بالأدب الكلاسيكي .
يبدأ من نشأته الريفية في ثيمبولاند وطفولته بين رعاة الأبقار، مروراً بمسيرته السياسية وصعوده في صفوف المؤتمر الوطني الأفريقي، ثم سنوات السجن القاسية، وانتهاء بفترة المفاوضات والرئاسة وما بعدها.
لا يقدم الكتاب سرداً زمنياً للأحداث، بل يبدو أقرب إلى ألبوم أدبي متناثر يضم شذرات من اليوميات والخطابات والملاحظات الشخصية، ما يمنح القارئ إحساساً بأنه يقف داخل عقل مانديلا وذاكرته في الوقت الحقيقي .
أهم فصول الكتاب ومضمونها
الجزء الأول يحمل عنوان الرعوي ويغطي سنوات الطفولة والتعليم المبكر في قرية مفيتزو، ويضم رسائل ومسودات كتبها مانديلا في زنزانته، يوضح فيها كيف شكّلت نشأته الريفية وجذوره الأفريقية ضميره السياسي وقيمه الأخلاقية .
الجزء الثاني وهو الدرامي يتناول صعود مانديلا السياسي في الأربعينيات والخمسينيات، وعلاقاته المعقدة بالحزب الشيوعي، وافتتاحه أول مكتب محاماة للسود في جوهانسبرغ مع رفيقه أوليفر تامبو، وبداية تنظيم حملات المقاومة ضد الفصل العنصري .
الجزء الثالث الملحمي يغطي فترة السجن والاعتقال التي امتدت من عام 1962 حتى 1990، ويضم رسائله المحزنة إلى زوجته ويني وأبنائه، وملاحظاته على رزنامة مكتبه في جزيرة روبن، وصراعاته الداخلية مع المرض والعزلة ووفاة والدته وابنه .
الجزء الرابع التراجيدي-الكوميدي يغطي مرحلة ما بعد الإفراج والمفاوضات والانتخابات، ويكشف عن مفاجأة تتمثل في اعتراف مانديلا بأنه لم يكن يرغب في تولي الرئاسة، وأنه قَبِلها فقط بعد ضغوط من قادة المؤتمر الوطني الأفريقي .
اقتباسات من الكتاب
جاء في إحدى رسائل مانديلا إلى زوجته ويني بعد وفاة ابنه ثيمبي عام 1969: لقد أثارت وفاته مشاعري وعقلي، وأدركت مقدار التوترات والآثار النفسية التي تركها غيابي عن البيت على أطفالي .
وفي رسالة أخرى إلى زوجته وهو يشاهد معاناتها من الاعتقالات المتكررة، كتب: أشعر بأن الغضب يسري في كل جزء من جسمي، في لحمي ومجرى دمي، وفي عظامي وروحي، كم أنا متألم لأنني عاجز تماماً عن تقديم يد المساعدة لك .
ويقول مانديلا متحدثاً عن نفسه كسجين رقم 466/64 في جزيرة روبن: الزنزانة مكان مثالي لتتعلم أن تعرف نفسك .
وكتب في وصية فلسفية تلخص رؤيته للإنسان: القديس هو خاطئ يواصل المحاولة .
أهم أقوال الكتاب
يقول مانديلا في سياق نقد الذات: أنا مليء بالتناقضات، ولم أكن قديساً .
ويضيف موضحاً فلسفته في التعامل مع الآخرين: لا أملك الحق في الحكم على الآخرين انطلاقاً من تقاليدي الخاصة، ولا يحق لي مقت الآخرين بسبب تقاليدهم .
وفي تعليقه على تصوير مانديلا كأسطورة، يبدي تحفظه على هذه الصورة، إذ كتب في مسودة غير منشورة أن الصورة النمطية للزعيم الخارق تتجاهل حقيقة أن كل إنجاز سياسي هو نتاج جماعة وليس فرداً وحيداً .
أهمية الكتاب
تكمن أهمية «حواري مع نفسي» في كونه يكشف عن الجانب العاطفي والصراعات الداخلية لمانديلا، ويقدمه كإنسان له شكوكه ومخاوفه وأحزانه الشخصية .
يمثل الكتاب مرجعاً مهماً لدارسي التاريخ السياسي لجنوب أفريقيا، إذ يضم وثائق أصلية تظهر كيف تطورت أفكار مانديلا السياسية عبر العقود، وكيف تفاعل مع قضايا العنف والمصالحة والعدالة الانتقالية .
كما يشكل الكتاب وثيقة إنسانية بامتياز، لأنه يرسم صورة رجل عاش سنوات طويلة في زنزانة ضيقة، لكنه حافظ على كرامته وقدرته على الحلم والكتابة والتأمل، ما يجعله نموذجاً ملهمًا لكل من يبحث عن معنى الصمود في وجه الظلم .
نقد الكتاب
أجمعت مراجعات عربية وأجنبية على أن كتاب «حواري مع نفسي» يعاني من غياب الترتيب الزمني، حيث تتوزع المادة بين الرسائل واليوميات والملاحظات دون تسلسل واضح، ما يصعب مهمة القارئ الذي لا يملك خلفية مسبقة عن تاريخ جنوب أفريقيا .
قالت إحدى المراجعات إن الكتاب يفرض على القارئ الرجوع المستمر إلى النبذة المختصرة للشخصيات في نهاية الكتاب، وهو ما يسبب تشتتاً ومللاً لدى من يبحث عن سرد متصل .
غير أن هذا العيب الشكلي في التنسيق لا يقلل من قيمة المادة الخام، التي تكشف عن صراعات مانديلا الداخلية وعالمه الخاص .
كتب مشابهة
أبرز كتاب مشابه هو «طريق طويل إلى الحرية» السيرة الذاتية الكبرى لمانديلا، التي نشرت عام 1994 وتعد من أشهر الكتب التي كتبها زعيم أفريقي .
يعد «طريق طويل إلى الحرية» السيرة الرسمية الوحيدة التي نشرت باسم مانديلا، بينما يمتاز «حواري مع نفسي» بأنه يضم مسودات غير مكتملة وتأملات شخصية لم تجد طريقها إلى الطبعة النهائية من السيرة الرسمية .
في المكتبة العربية، هناك كتب أخرى تناولت شخصية مانديلا، منها كتاب «نيلسون مانديلا: الرجل الذي أوقف عجلة الزمان» للمؤلف عبد الفتاح عصام .
ربط الكتاب بالواقع الآن
تأتي أهمية هذا الكتاب في وقت تواجه فيه المنطقة العربية تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وسط نقاشات متجددة حول مفاهيم المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية ودور القيادة في المراحل الانتقالية .
تجربة مانديلا، كما يتجلى في الكتاب، تعرض نموذجاً لقيادة اختارت المصالحة بدلاً من الانتقام، وأصرت على تفكيك نظام الفصل العنصري دون نسف المجتمع .
يطرح الكتاب أيضاً أسئلة راهنة حول مفهوم الزعيم المثالي، وهل يمكن للزعماء أن يكونوا أكثر تأثيراً عندما يظهرون الجانب الإنساني والضعيف، أم أن الأسطرة تظل ضرورية لتوحيد الشعوب حول رموزها .
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
نيلسون مانديلا سياسي ومناضل من جنوب أفريقيا، ولد عام 1918 وتوفي عام 2013، شغل منصب رئيس جنوب أفريقيا من 1994 إلى 1999، وكان أول رئيس أسود منتخب في انتخابات متعددة الأعراق .
درس المحاماة وافتتح أول مكتب محاماة للسود مع رفيقه أوليفر تامبو، وانخرط في العمل السياسي عبر المؤتمر الوطني الأفريقي الذي قاد الكفاح ضد نظام الفصل العنصري .
قضى 27 عاماً في السجون، منها 18 عاماً في جزيرة روبن حيث كان يعرف بالسجين رقم 466/64، وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 1993 .
من أشهر كتبه «طريق طويل إلى الحرية» الذي بدأ كتابته في السجن عام 1974 واكتمل بعد خروجه عام 1990 .
الكتاب في ميزان الإسلام
يقدم الكتاب نموذجاً للزعيم الذي تحلى بصفات الصبر والتسامح والعدل، وهي قيم حث عليها الإسلام ويمكن أن تشكل مصدر إلهام للمسلمين في تعاملهم مع خصومهم .
غير أن قراءة الكتاب تحتاج إلى وعي نقدي، إذ يطرح مانديلا بعض الأفكار السياسية والفلسفية التي قد لا تتوافق تماماً مع التصور الإسلامي، خاصة في ما يتصل بمفهوم الدولة والمجتمع والعلاقة بين الدين والسياسة.
يظل الجانب الإنساني في الكتاب قابلاً للاستفادة منه، من حيث التأكيد على قيمة الصدق مع النفس، والاعتراف بالضعف، والاجتهاد في مراجعة الذات، وهي قيم إسلامية أصيلة.







