حوار: أنس محمد
في ظل الظروف الإنسانية والاجتماعية الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، لم تعد مواجهة تداعيات الحرب مسؤولية المؤسسات الرسمية والإغاثية وحدها، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى مبادرات مجتمعية قادرة على احتواء الأزمات، وتعزيز التضامن، والحفاظ على تماسك المجتمع.
ومن بين هذه المبادرات، برزت لجنة شؤون النازحين باعتبارها إطاراً مجتمعياً يضم المخاتير والوجهاء والشخصيات الاعتبارية، ويسعى إلى توحيد الجهود من أجل تعزيز السلم الأهلي، ومساندة العائلات النازحة، والمساهمة في معالجة المشكلات التي أفرزتها ظروف الحرب.
وفي هذا الحوار، يتحدث المهندس عكرمة حماد، رئيس لجنة شؤون النازحين في قطاع غزة، عن ظروف تشكيل اللجنة، وأهدافها، وطبيعة تمثيلها المجتمعي الذي تجاوز 60% من القطاع، والدور الذي يقوم به المخاتير والوجهاء في احتواء الأزمات، فضلاً عن رؤيته لمستقبل العمل المجتمعي في غزة.
وإلى نص الحوار
• بداية، في ظل الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، ما الدوافع التي كانت وراء تشكيل لجنة شؤون النازحين؟
•• جاءت فكرة تشكيل اللجنة انطلاقاً من إدراكنا لحجم المسؤولية التي تفرضها الظروف الاستثنائية التي يعيشها أبناء شعبنا في قطاع غزة. فالحرب لم تتسبب فقط في دمار واسع طال المنازل والمؤسسات والبنية التحتية، وإنما أفرزت واقعاً اجتماعياً وإنسانياً بالغ التعقيد، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المواطنين، وتفاقم المشكلات المعيشية والاجتماعية.
ومن هنا شعرنا بضرورة وجود إطار مجتمعي جامع يستطيع التواصل مع المواطنين، والاستماع إلى قضاياهم، والعمل على احتواء المشكلات، وتوحيد جهود المخاتير والوجهاء والشخصيات الاعتبارية من أجل خدمة الناس والحفاظ على النسيج الاجتماعي.
لم يكن الهدف من تشكيل اللجنة مجرد إنشاء كيان تنظيمي جديد، وإنما الاستجابة لحاجة حقيقية فرضتها الحرب، وهي أن يكون هناك صوت مجتمعي قريب من المواطنين، يحمل همومهم ويسعى إلى مساعدتهم قدر المستطاع.
• تشيرون إلى أن اللجنة استطاعت تحقيق تمثيل مجتمعي يتجاوز 60% من قطاع غزة، كيف تحقق ذلك، وما دلالة هذه النسبة؟
•• هذا التمثيل جاء نتيجة التواصل المستمر مع المخاتير والوجهاء والشخصيات الاعتبارية في مختلف مناطق القطاع، وإيمان هذه الشخصيات بأهمية العمل الجماعي، وضرورة وجود مظلة تجمعها وتوحد جهودها في خدمة المجتمع.
لقد استطعنا أن نضم إلى اللجنة أكثر من 60% من قطاع غزة، ممثلاً بمخاتير العائلات ووجهائها وشخصياتها الاعتبارية، وهو ما يعكس حجم التفاعل المجتمعي مع فكرة اللجنة وأهدافها.
وبالنسبة لنا، فإن هذه النسبة ليست مجرد رقم أو إنجاز تنظيمي، بل مسؤولية كبيرة تفرض علينا العمل بمزيد من الجدية والشفافية، وأن نكون على قدر ثقة هذه الشخصيات والمواطنين الذين يمثلونهم.
• وهل يمكن القول إن اللجنة أصبحت مظلة جامعة لمختلف العائلات والمكونات الاجتماعية في غزة؟
•• هذا هو الهدف الذي نسعى إليه باستمرار. نحن نؤمن بأن المجتمع الفلسطيني يمتلك رصيداً كبيراً من الروابط الاجتماعية والقيم الأصيلة، وأن المخاتير والوجهاء يمثلون جزءاً مهماً من هذا الرصيد.
لذلك نعمل على أن تكون اللجنة مساحة جامعة للتشاور والتعاون وتبادل الخبرات، بعيداً عن أي اعتبارات ضيقة، وأن يشعر الجميع بأنهم شركاء في المسؤولية، وأن خدمة المواطن والحفاظ على وحدة المجتمع هما الأساس الذي يجمعنا.
السلم الأهلي.. خط الدفاع عن تماسك المجتمع
• ما الأولوية التي وضعتها اللجنة في مقدمة أهدافها، في ظل ما يشهده القطاع من ضغوط معيشية واجتماعية غير مسبوقة؟
•• يأتي تعزيز السلم الأهلي والحفاظ على تماسك المجتمع في مقدمة أولوياتنا. فنحن ندرك أن الحرب لا تترك آثاراً مادية فقط، وإنما تخلق أيضاً ضغوطاً نفسية واجتماعية كبيرة، وقد تؤدي في ظل النزوح والاكتظاظ وشح الموارد إلى نشوء خلافات ومشكلات بين المواطنين.
ومن هنا تبرز أهمية وجود مرجعيات اجتماعية قادرة على التدخل بالحكمة والحوار، وتقريب وجهات النظر، وإصلاح ذات البين، ومنع تفاقم الخلافات.
نحن نرى أن حماية المجتمع من التفكك مسؤولية لا تقل أهمية عن توفير الاحتياجات الإنسانية، لأن المجتمع المتماسك هو الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتجاوز آثارها.
• كيف توظفون مكانة المخاتير والوجهاء في احتواء الخلافات والمشكلات الاجتماعية؟
•• للمخاتير والوجهاء مكانة تاريخية واجتماعية مهمة داخل المجتمع الفلسطيني، فهم على تواصل مباشر مع العائلات، ويعرفون طبيعة العلاقات الاجتماعية، ويتمتعون بقدر من الثقة لدى المواطنين.
ومن خلال اللجنة، نسعى إلى توظيف هذه المكانة في معالجة الخلافات بالحكمة والتفاهم، وتعزيز ثقافة التسامح، والتدخل الإيجابي لحل المشكلات قبل أن تتفاقم.
ونؤكد دائماً أن الاختلاف في الرأي أو الظروف المعيشية لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف يهدد العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد، وأن الحفاظ على الأخوة والتماسك مسؤولية مشتركة.
الإنسان أولاً
• النزوح كان من أصعب التداعيات الإنسانية للحرب على غزة، كيف تتعامل اللجنة مع قضايا العائلات النازحة؟
•• ندرك تماماً أن النزوح لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما تجربة إنسانية قاسية فقدت خلالها آلاف العائلات استقرارها، واضطرت إلى ترك منازلها ومناطقها، وأصبحت تواجه تحديات يومية تتعلق بالمأوى والغذاء والمياه والدواء، فضلاً عن الأعباء النفسية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، نحرص على متابعة قضايا المواطنين، والاستماع إلى احتياجات العائلات النازحة، والعمل على مساعدتها قدر الإمكان، والتواصل مع الجهات المعنية لنقل مشكلاتها واحتياجاتها.
ونؤكد أن دور اللجنة لا يقتصر على الجانب الإغاثي أو المادي، بل يمتد إلى المساندة الاجتماعية، واحتواء المشكلات، والحفاظ على كرامة المواطنين، وإشعارهم بأن هناك من يقف إلى جانبهم ويتابع قضاياهم.
• وهل يقتصر دور اللجنة على تقديم المساعدة المباشرة، أم يمتد إلى التنسيق مع المؤسسات والجهات الإنسانية؟
•• بالتأكيد، العمل المجتمعي لا يمكن أن يحقق أهدافه بمعزل عن بقية المؤسسات والجهات المعنية. لذلك نرى أن التنسيق والتواصل يمثلان جزءاً أساسياً من عمل اللجنة.
وجود مخاتير ووجهاء من مختلف مناطق القطاع يمنحنا قدرة على التعرف إلى طبيعة الاحتياجات والمشكلات بصورة أوسع، ويساعد على نقل صوت المواطنين إلى الجهات التي تستطيع تقديم المساعدة.
ونحن نؤمن بأهمية تكامل الأدوار، وأن تتضافر جهود المرجعيات الاجتماعية والمؤسسات الرسمية والأهلية والإنسانية، حتى تصل المساعدات والخدمات إلى مستحقيها بصورة أكثر تنظيماً وعدالة.
• كيف تقيمون أثر اللجنة في الشارع الغزي منذ تشكيلها؟
•• نحن لا ننظر إلى أثر اللجنة من زاوية حجم التمثيل أو عدد الشخصيات المشاركة فيها فقط، وإنما من خلال ما يمكن أن تقدمه للمواطنين على أرض الواقع.
لقد وفر وجود اللجنة مساحة للتواصل والتشاور بين المخاتير والوجهاء، وساعد على توحيد الجهود المجتمعية، وفتح قنوات لمتابعة قضايا المواطنين واحتواء المشكلات الاجتماعية.
ونحن نعتبر أن نجاح أي عمل مجتمعي يرتبط بمدى قدرته على تخفيف معاناة الناس، والمساهمة في حل مشكلاتهم، وتعزيز شعورهم بالأمان والانتماء والتكافل.
• ما أبرز التحديات التي تواجهكم في أداء هذه المسؤولية؟
•• التحديات كبيرة، وأبرزها حجم الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية، واتساع نطاق النزوح، والظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها المواطنون، إلى جانب محدودية الإمكانات المتاحة مقارنة بحجم المسؤوليات.
لكننا نتعامل مع هذه التحديات من منطلق أن العمل المجتمعي لا يرتبط دائماً بتوافر الإمكانات المادية، فهناك أدوار مهمة يمكن أن تقوم بها المرجعيات الاجتماعية من خلال التواصل والتنسيق والإصلاح واحتواء الخلافات.
ونحن نعمل وفق الإمكانات المتاحة، ونسعى باستمرار إلى توسيع دائرة التعاون مع الجهات المختلفة بما يخدم أبناء شعبنا.
وحدتنا مسؤوليتنا جميعاً
• هل ترون أن دور لجنة شؤون النازحين يرتبط بالمرحلة الراهنة فقط، أم أن لديكم تصوراً لاستمرار عملها خلال مرحلة ما بعد الحرب؟
•• نعتقد أن المسؤولية المجتمعية لا ينبغي أن تكون مرتبطة بظرف طارئ أو مرحلة زمنية محددة. صحيح أن الحرب كانت أحد الأسباب الرئيسية التي فرضت الحاجة إلى تشكيل اللجنة، لكن تداعياتها الاجتماعية والإنسانية ستحتاج إلى جهود طويلة لمعالجتها.
فالمرحلة المقبلة ستتطلب عملاً كبيراً في ترميم العلاقات الاجتماعية، وتعزيز الثقة بين المواطنين، ومساندة العائلات المتضررة، والمساهمة في جهود التعافي وإعادة بناء المجتمع.
ومن هنا نسعى إلى تطوير أداء اللجنة، وتعزيز آليات التواصل والتشاور، والحفاظ على قاعدة التمثيل المجتمعي الواسعة، وتوسيع مجالات التعاون مع المؤسسات والجهات ذات العلاقة.
• وما الضمانات التي ترون أنها ضرورية للحفاظ على ثقة المواطنين والمخاتير والوجهاء في اللجنة؟
•• الثقة تُبنى من خلال العمل الحقيقي والشفافية والعدالة، ومن خلال وضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار.
ونحن حريصون على أن تكون اللجنة مظلة جامعة لا تستثني أحداً، وأن تقوم علاقتها بمختلف العائلات والمناطق على الاحترام والتعاون والمشاركة.
كما أن استمرار التواصل والاستماع إلى المواطنين، ومتابعة قضاياهم، وتوضيح ما يمكن القيام به وما يتجاوز الإمكانات المتاحة، كلها أمور ضرورية للحفاظ على الثقة وتعزيز المصداقية.
• في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى أبناء قطاع غزة في هذه المرحلة الصعبة؟
•• رسالتنا إلى أبناء شعبنا أن غزة تحتاج اليوم إلى تكاتف الجميع، وإلى تغليب المصلحة العامة، والابتعاد عن الخلافات التي يمكن أن تزيد من معاناة المواطنين.
لقد مر شعبنا بظروف قاسية، وقدم تضحيات كبيرة، وما نحتاج إليه الآن هو الحفاظ على روابط الأخوة والتعاون والتكافل، وأن نقف جميعاً إلى جانب العائلات المتضررة والنازحة، وأن نعمل على حماية النسيج الاجتماعي.
كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى جميع المخاتير والوجهاء والشخصيات الاعتبارية وأعضاء اللجنة، الذين تحملوا المسؤولية وساهموا في دعم هذا الإطار المجتمعي، وكل من بذل جهداً في الإصلاح بين الناس ومساندة المواطنين.
وأؤكد أن لجنة شؤون النازحين ستواصل العمل من أجل تحقيق أهدافها، وتعزيز السلم الأهلي، وتوحيد الجهود المجتمعية، والوقوف إلى جانب أبناء شعبنا وفق الإمكانات المتاحة.
غزة تستحق منا جميعاً أن نكون يداً واحدة، وأن نحافظ على إنسانيتنا ووحدتنا وتماسكنا، فإعادة بناء المجتمع لا تقل أهمية عن إعادة بناء ما دمرته الحرب، والإنسان سيظل دائماً محور كل جهد ومسؤولية.







