لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة انتخابية عابرة للجمهوريين، وإنما مثلت تحولاً مهماً في موازين القوى داخل واشنطن، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، في ضربة سياسية للرئيس دونالد ترامب الذي بات يواجه معادلة مختلفة تماماً خلال العامين الأخيرين من ولايته.
وتشير النتائج الأولية المعلنة في 4 نوفمبر 2026 إلى حصول الديمقراطيين على أغلبية تبلغ نحو 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، مقابل 44 للجمهوريين، بينما تقدموا في مجلس النواب بنحو 228 مقعداً مقابل 139، مع استمرار فرز بعض الدوائر. كونجرس ديمقراطي
وبذلك يدخل ترامب مرحلة يمكن وصفها سياسياً بمرحلة “البطة العرجاء”، ليس بمعنى فقدانه سلطاته الدستورية، وإنما تراجع قدرته على تمرير أجندته التشريعية، وارتفاع تكلفة قراراته السياسية والخارجية، بعدما أصبح مضطراً للتعامل مع كونجرس تسيطر عليه المعارضة.
وتزداد أهمية هذا التحول لأنه يأتي في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية تحديات متشابكة، أبرزها الحرب مع إيران، وتداعياتها الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الطاقة، فضلاً عن الخلافات بشأن الإنفاق العسكري والسياسة الخارجية.
مستر فيتو.. سلاح ترامب الأخير
وفي هذا السياق يدرك ترامب أن خسارة الأغلبية لا تعني بالضرورة انتصار الديمقراطيين في كل المعارك، ولذلك سارع إلى التلويح باستخدام حق النقض الرئاسي، بل أطلق على نفسه لقب «مستر فيتو»، مؤكداً استعداده لرفض التشريعات الديمقراطية التي يراها متعارضة مع أجندته.
لكن الفيتو، رغم أهميته، ليس سلاحاً مطلقاً؛ إذ يستطيع الكونجرس تجاوز اعتراض الرئيس إذا حصل التشريع على موافقة ثلثي الأعضاء في كل من مجلسي النواب والشيوخ.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالديمقراطيون يمتلكون الأغلبية العادية في المجلسين، لكنهم لا يملكون، وفق النتائج الحالية، أغلبية الثلثين اللازمة لإبطال الفيتو. وبالتالي يستطيع ترامب تعطيل كثير من مشروعات القوانين التي لا تحظى بتوافق واسع بين الحزبين.
ومع هذا ، فإن استخدام الفيتو بصورة متكررة قد يتحول إلى عبء سياسي عليه، خصوصاً إذا تعلق الأمر بملفات تحظى بتأييد شعبي، مثل خفض تكاليف المعيشة أو حماية البرامج الاجتماعية أو فرض رقابة أكبر على الإنفاق العسكري.
غير ان الأمر ليس بهذه السهولة فكل فيتو قد يتحول إلى معركة إعلامية وسياسية، يستطيع الديمقراطيون توظيفها لإظهار الرئيس باعتباره الطرف الذي يعطل الحلول، وليس مجرد رئيس يدافع عن صلاحياته.
أوراق الديمقراطيين.. الحصار من الداخل
من جانبهم لا يحتاج الديمقراطيون إلى إسقاط قرارات ترامب أو تجاوز الفيتو في كل مرة لإضعاف نفوذه؛ فامتلاكهم الأغلبية في المجلسين يمنحهم أدوات متعددة لمراقبة الإدارة وتقييد حركتها.
وبحسب مراقبين فإن أولى هذه الأوراق هي التحقيقات البرلمانية، إذ يستطيعون استدعاء المسؤولين في الإدارة، وطلب الوثائق، وفتح جلسات استماع علنية بشأن القرارات المثيرة للجدل، سواء تعلقت بإدارة الحرب على إيران أو الإنفاق العسكري أو العلاقات الخارجية.
أما الورقة الثانية فتتمثل في الموازنة والاعتمادات المالية، فالكونجرس يملك سلطة إقرار الإنفاق الحكومي وتحديد أوجه استخدام الأموال العامة، وهو ما يمنح الديمقراطيين فرصة لممارسة ضغوط على البيت الأبيض عبر ربط التمويل بشروط ورقابة محددة.

وتبرز الورقة الثالثة في مجلس الشيوخ، حيث يستطيع الديمقراطيون تعطيل أو إبطاء المصادقة على عدد من التعيينات الرئاسية، بما فيها المناصب العليا في الإدارة والسفارات والسلطة القضائية، وهو ما قد يترك فراغات مؤثرة داخل مؤسسات الدولة.
كما يظل سلاح العزل السياسي قائماً، إذ يستطيع مجلس النواب إطلاق إجراءات مساءلة الرئيس، لكن إدانته وعزله يتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو أمر لا يبدو سهلاً في ظل التوازنات الحالية.
حرب إيران.. الاختبار الأصعب لترامب
ومن هنا تمثل الحرب على إيران الاختبار الأكثر حساسية للعلاقة بين البيت الأبيض والكونجرس، خاصة أن الحرب كانت أحد العوامل التي ساهمت في تراجع شعبية الجمهوريين وخسارتهم الانتخابات، وفق تقديرات وتحليلات أمريكية أعقبت النتائج.
وهنا يمتلك الديمقراطيون فرصة لتحويل الملف الإيراني إلى أداة ضغط استراتيجية على ترامب، ليس فقط بسبب التكلفة المالية والعسكرية للحرب، وإنما بسبب مخاوف الأمريكيين من الانزلاق إلى مواجهة طويلة يصعب التحكم في تداعياتها.
ومن الناحية الدستورية، يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطات واسعة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكنه ليس صاحب القرار المنفرد في إعلان الحرب وتمويلها.
ويتيح قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 للكونجرس ممارسة الرقابة على العمليات العسكرية، ويلزم الرئيس بإخطار الكونجرس خلال 48 ساعة من إدخال القوات الأمريكية في أعمال قتالية، كما يضع إطاراً زمنياً لإنهاء المشاركة العسكرية، يصل عادة إلى 60 يوماً، مع مهلة إضافية تصل إلى 30 يوماً للانسحاب، ما لم يصدر تفويض أو يتحقق استثناء قانوني.
وبالتالي يستطيع الديمقراطيون الدفع نحو قرارات تلزم الإدارة بتقديم مبررات قانونية للحرب، وتقييد التمويل المخصص لاستمرارها، ومطالبة ترامب بالحصول على تفويض تشريعي واضح.
لكن المشكلة أن أي قانون يهدف إلى تقييد العمليات العسكرية أو وقف تمويلها قد يصطدم بالفيتو الرئاسي، ما يجعل المواجهة أكثر تعقيداً، ويطرح احتمال اللجوء إلى تسويات مع بعض الجمهوريين المعتدلين لتأمين أغلبية أوسع.
استراتيجية الاحتواء
وفي هذه الأجواء رغم التصعيد المتوقع، فإن المواجهة المفتوحة ليست بالضرورة الخيار المفضل لأي من الطرفين؛ فالديمقراطيون يدركون أن تعطيل كل تحركات الرئيس قد يحملهم مسؤولية الفوضى السياسية والاقتصادية، بينما يدرك ترامب أن الدخول في حرب استنزاف مع الكونجرس قد يقوض ما تبقى من أجندته ويضعف فرص الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومن هنا قد تتجه واشنطن إلى استراتيجية احتواء متبادل، تقوم على السماح للرئيس بإدارة الملفات التي تدخل ضمن صلاحياته التنفيذية، مقابل فرض رقابة أكثر صرامة على التمويل العسكري والقرارات الاستراتيجية الكبرى، وإجباره على تقديم تفسيرات دورية للكونجرس بشأن مسار الحرب على إيران وأهدافها النهائية.

وقد يجد ترامب نفسه مضطراً إلى إعادة تقييم حساباته الإيرانية، خصوصاً إذا أصبحت الحرب عبئاً انتخابياً واقتصادياً، بينما قد يفضل الديمقراطيون استخدام الضغط البرلماني لدفعه نحو تسوية تفاوضية بدلاً من الذهاب إلى مواجهة دستورية مفتوحة.
معركة 2028 تبدأ مبكرا
في المحصلة، لا تعني خسارة ترامب للكونجرس أنه أصبح رئيساً بلا صلاحيات، كما لا تعني سيطرة الديمقراطيين على المجلسين أنهم باتوا قادرين على فرض إرادتهم كاملة على البيت الأبيض.
لكن المؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت؛ فترامب يستطيع استخدام الفيتو، بينما يستطيع الديمقراطيون استخدام التحقيقات والموازنات والتعيينات والرقابة التشريعية لتضييق هامش حركته.
والأهم أن الحرب على إيران قد تتحول إلى ساحة الاختبار الحقيقية لهذا التوازن، بين رئيس يريد الاحتفاظ بحرية المناورة العسكرية والدبلوماسية، ومعارضة تسعى إلى إثبات أن الأمن القومي لا يمكن أن يكون تفويضاً مفتوحاً للبيت الأبيض.
وقد تكون استراتيجية الاحتواء هي المخرج الأقل تكلفة للطرفين، لكنها ستظل رهينة حسابات ترامب السياسية، ومدى استعداد الديمقراطيين لتقديم تنازلات، وقدرة الجمهوريين على منع تحول الخلاف السياسي إلى أزمة دستورية شاملة.
فالمعركة لم تعد فقط حول من يملك حق الفيتو، وإنما حول من يستطيع فرض قواعد المرحلة الأخيرة من رئاسة ترامب، ومن سيخرج منتصراً في الطريق إلى انتخابات 2028.







