لا تشير المقترحات المطروحة إلى اتجاه موحد لحظر الذكاء الاصطناعي أو وقف انتشاره، وإنما تستهدف وضع ضوابط على الشركات التي تطور النماذج الأكثر تقدمًا، وإلزامها بإثبات سلامة منتجاتها وتحمل المسؤولية عن الأضرار، إلى جانب إخضاع البنية التحتية التي تدعم هذه الصناعة لرقابة أكثر صرامة.
وتتمثل أبرز مسارات التحرك المتوقع في الآتي:
أولًا: اختبارات إلزامية قبل إطلاق النماذج المتقدمة
يأتي إخضاع نماذج الذكاء الاصطناعي لاختبارات مستقلة في مقدمة الأولويات الديمقراطية.
ووفقًا لإطار السيناتور ماريا كانتويل، ينبغي أن يتولى المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا وضع معايير سلامة للنماذج المتقدمة، تشمل تقييم قدرتها على تنفيذ مهام خطرة، وإمكانية خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة عن نطاق السيطرة البشرية.
ويتضمن المقترح إخضاع النماذج لاختبارات مستمرة، والاستعانة بجهات مستقلة للتدقيق في مدى الالتزام بمعايير السلامة، مع تشديد الرقابة على الأنظمة التي تظهر قدرات خطرة أو تستطيع تطوير نفسها وتجاوز بعض ضوابط الحماية.
كما يدعو الإطار إلى إلزام الشركات بالإفصاح عن المخاطر المحتملة وإجراءات الحد منها، والإبلاغ عن الحوادث الخطيرة، بما فيها الحالات التي تستطيع فيها النماذج تطوير أنظمة أخرى بصورة متكررة دون تدخل بشري مباشر.
وهذا يعني أن شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«جوجل» قد تواجه متطلبات أكثر صرامة قبل إتاحة بعض النماذج فائقة القدرات للجمهور أو للعملاء التجاريين.
ثانيًا: تحميل الشركات المسؤولية القانونية عن أخطاء الذكاء الاصطناعي
يمثل ملف المسؤولية القانونية أحد أخطر التحديات التي تواجه شركات الصناعة.
وتعمل النائبة لوري تراهن على دفع تشريع يوضح متى يمكن اعتبار الشركة المطورة مسؤولة قانونيًا عن الأضرار الناجمة عن أنظمتها، خاصة عندما تتسبب هذه الأنظمة في نتائج ضارة كان من الممكن اعتبارها مخالفة للقانون لو ارتكبها إنسان.
ويسعى هذا الاتجاه إلى تغيير المعادلة التي تستند إليها بعض الشركات في التعامل مع منتجات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أدوات تقنية لا تتحمل الشركة المطورة بالضرورة المسؤولية المباشرة عن كل نتائج استخدامها.
وتشمل المخاطر المطروحة الأخطاء التي تؤثر على قرارات التوظيف والائتمان والخدمات الصحية، وكذلك الأضرار الناجمة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة التي تنفذ عمليات معقدة دون إشراف بشري كافٍ.
ومن شأن إقرار قواعد اتحادية واضحة للمسؤولية أن يرفع تكاليف التأمين والامتثال القانوني على الشركات، ويجعل تقييم المخاطر جزءًا أساسيًا من تكلفة تطوير وتسويق أي نموذج جديد.
ثالثًا: فرض قيود على مراكز البيانات واستهلاك الكهرباء
قد يكون هذا الملف الأكثر حساسية اقتصاديًا خلال المرحلة المقبلة.
فطفرة الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على البرمجيات والخوارزميات، بل تحتاج إلى استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والخوادم والمعالجات المتقدمة، وتستهلك هذه المنشآت كميات كبيرة من الكهرباء والمياه.
ويخطط الديمقراطيون لطرح تشريعات تمنع تحميل الأسر والمستهلكين تكلفة التوسع في هذه المنشآت، بحيث تتحمل الشركات كامل التكاليف الإضافية التي تتسبب فيها على شبكات الكهرباء والبنية التحتية.
ومن بين المقترحات المطروحة مشروع السيناتور إدوارد ماركي المعروف باسم «قانون حماية المجتمعات من تأثيرات مراكز البيانات»، والذي يتضمن اشتراط الحصول على شهادة اتحادية قبل إنشاء بعض مراكز البيانات، تؤكد التزامها بمعايير الطاقة والبيئة والتأثيرات الاقتصادية.
كما يتضمن المقترح إلزام الشركات بتمويل توسعات شبكات الكهرباء اللازمة لخدمة منشآتها، والمساهمة في تمويل الطاقة المتجددة وأنظمة تخزين الكهرباء، بدلًا من الاعتماد على مولدات الديزل، إلى جانب وضع معايير للعمل والإنشاءات.
وتوجد أيضًا مقترحات تتعلق بنشر بيانات استهلاك الكهرباء والمياه، وإجراء دراسات مستقلة للتأثيرات البيئية، ومنح المجتمعات المحلية دورًا أكبر في مناقشة المشروعات الجديدة.
ووصلت بعض المقترحات إلى حد الدعوة لوقف مؤقت لإنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أو تطويرها لحين وضع ضمانات اتحادية تتعلق بالبيئة والكهرباء وحقوق المجتمعات المحيطة.
وهنا يظهر تأثير التحول السياسي في ولايات مثل تكساس وأوهايو، حيث أصبحت مشروعات مراكز البيانات محل جدل انتخابي مباشر، مع مطالبات بوضع قيود على التوسع إلى حين توفير ضمانات للسكان.
رابعًا: حماية الأطفال وتشديد الرقابة على روبوتات المحادثة
تتجه التشريعات الديمقراطية أيضًا إلى وضع قواعد أكثر صرامة لاستخدام الأطفال والمراهقين تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتتضمن أجندة السيناتور إدوارد ماركي مشروع قانون خصوصية الذكاء الاصطناعي للشباب، الذي يستهدف إلزام الشركات بتوفير ضمانات لحماية بيانات الأطفال والمراهقين داخل روبوتات المحادثة.
وتشمل المقترحات الأوسع تقييد جمع المعلومات الشخصية عن القُصّر، والحد من الإعلانات الموجهة إليهم، وتعزيز قدرة الأسر على حذف بيانات أبنائها.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة مع توسع استخدام روبوتات المحادثة في التعليم والاستشارات الشخصية والتفاعل اليومي، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن سلامة المحتوى وطبيعة المعلومات التي تجمعها الشركات عن المستخدمين الصغار.
خامسًا: مواجهة التمييز الخوارزمي ومراقبة استخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف
من الملفات التي تتصدر أجندة إدوارد ماركي أيضًا منع استخدام الخوارزميات المتحيزة في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بحياة المواطنين.
وتشمل المقترحات إخضاع الأنظمة المستخدمة في التوظيف والحصول على القروض والخدمات الصحية والإجراءات المرتبطة بالعدالة الجنائية لاختبارات تكشف التمييز ضد فئات معينة.
كما يدفع ماركي بمشروع «لا للمدير الروبوت»، الذي يستهدف وضع ضمانات لاستخدام أنظمة القرارات الآلية في التوظيف والفصل وتقييم العاملين، إلى جانب تقييد استخدام تكنولوجيا المراقبة الرقمية في أماكن العمل.
ويعني ذلك أن الشركات التي تقدم حلول الذكاء الاصطناعي لإدارة الموارد البشرية أو تقييم المتقدمين للوظائف قد تكون مطالبة بتقديم أدلة على حياد الخوارزميات، وإتاحة قدر أكبر من الشفافية بشأن طريقة اتخاذ القرارات.
وفي القطاع الطبي، توجد مقترحات تضمن بقاء القرار النهائي في يد الطبيب أو مقدم الرعاية الصحية، مع توفير إمكانية تجاوز توصيات الذكاء الاصطناعي عندما يرى المختص أن مصلحة المريض تتطلب ذلك.
ما الفرص التي ستظل متاحة أمام شركات الذكاء الاصطناعي؟
رغم هذه القيود المحتملة، لا يعني صعود الديمقراطيين إغلاق أبواب الاستثمار أمام شركات الذكاء الاصطناعي، بل قد يؤدي إلى ظهور أسواق جديدة لخدمات ومنتجات مرتبطة بالامتثال والسلامة والأمن السيبراني.
وتتمثل الفرصة الأولى في شركات اختبار وتقييم النماذج، إذ إن إلزام الشركات الكبرى باختبارات مستقلة سيخلق طلبًا متزايدًا على المؤسسات المتخصصة في مراجعة الخوارزميات، واختبار الاختراق، والكشف عن الثغرات، وتقييم مخاطر الأنظمة ذاتية التشغيل.
كما ستستفيد الشركات المتخصصة في الأمن السيبراني، وأنظمة مراقبة سلوك وكلاء الذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، وإدارة الحوادث التقنية، خاصة إذا تحولت متطلبات الإبلاغ عن المخاطر إلى التزامات قانونية.
أما الفرصة الثانية فتتمثل في قطاع البنية التحتية الخضراء، حيث يمكن أن يؤدي اشتراط تحمل مراكز البيانات تكاليف الكهرباء والبيئة إلى زيادة الاستثمار في محطات الطاقة المتجددة والبطاريات وتخزين الكهرباء وأنظمة التبريد المتطورة وإعادة تدوير المياه.
وهذه السوق قد تفتح مجالًا أمام شركات التكنولوجيا والطاقة والهندسة لتقديم حلول تخفض استهلاك الكهرباء والمياه وتسمح بتشغيل مراكز بيانات ضخمة بتكاليف أقل.
وتبرز فرصة ثالثة في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الآمنة المخصصة للأطفال والتعليم والرعاية الصحية والقطاع المالي، وهي أسواق يمكن أن تستفيد من وجود معايير واضحة للخصوصية والإشراف البشري وحماية المستخدمين.
كذلك قد تتسع سوق خدمات الامتثال القانوني والاستشارات التنظيمية، مع احتياج الشركات إلى فرق متخصصة تتابع القوانين الاتحادية والولائية وتضمن توافق المنتجات مع المعايير الجديدة.
وبالتالي، فإن شركات الذكاء الاصطناعي التي تستثمر في السلامة والشفافية وحماية البيانات قد تجد نفسها أمام فرص تجارية إضافية، بدلًا من اعتبار التنظيم عبئًا فقط.
هل تؤدي القيود إلى إضعاف الشركات الكبرى ومنح الأفضلية للشركات الصغيرة؟
توجد هنا مفارقة اقتصادية مهمة.
فبينما تستهدف التشريعات المعلنة حماية المستهلكين والمجتمعات من المخاطر، فإن تطبيقها قد يرفع تكلفة دخول سوق الذكاء الاصطناعي.
فإجراء الاختبارات المستقلة، وتوفير فرق قانونية وأمنية، ونشر تقارير دورية، وتأمين المسؤولية عن الأضرار، كلها التزامات تحتاج إلى ميزانيات كبيرة.
وهذا قد يمنح الشركات العملاقة ذات رؤوس الأموال الضخمة قدرة أكبر على استيعاب تكاليف الامتثال، بينما تواجه الشركات الناشئة صعوبات في تمويل الاختبارات والحصول على الموافقات اللازمة.
ومن ثم قد تنشأ مفارقة تتمثل في أن القواعد التي تستهدف ضبط نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى يمكن أن تزيد الحواجز أمام منافسيها الصغار إذا لم تتضمن استثناءات أو متطلبات متناسبة مع حجم الشركة ومستوى المخاطر.
وفي المقابل، قد تستفيد الشركات الصغيرة المتخصصة في الاختبارات والأمن والامتثال والطاقة النظيفة من التوسع في الطلب على هذه الخدمات.






