ليست كلُّ رايةٍ تُرفع باسم الدين تُشبه الدين، ولا كلُّ خطابٍ يتزيّن بالمقدّس يحمل من القداسة شيئًا.
فهناك من حوّل الإيمان من رسالةٍ لتحرير الإنسان إلى سوطٍ يُجلد به المقهورون، ومن نورٍ يهدي إلى قفصٍ يُصادر به الوعي، حتى صار بعض الناس يرون الظالم جبارًا تجب طاعته، ويرون المقهور الخارج على القهر مذنبًا يستحق اللوم والمطاردة.
أيُّ فهمٍ هذا الذي يصالح الطغيان، ثم يستأسد على المكلومين؟
أيُّ منهجٍ هذا الذي يُخفض صوته أمام المحتل والمتسلّط، ثم يعلو غضبًا على كل من يرفض الذل والانكسار؟
لقد اختلطت المفاهيم حتى صار بعضهم يظن أن الطاعة تعني الخنوع، وأن الصمت عن الظلم حكمة، وأن الانحناء للجلاد فقهٌ ورشد.
لكنّ الحقيقة أبسط وأوضح من كل هذا الركام:
الدين الذي يزرع الكرامة في قلب الإنسان لا يمكن أن يتحول إلى أداة لإهانته، والحق الذي أنزله الله رحمةً للعالمين لا يمكن أن يكون غطاءً للذل، والتوحيد الذي حرّر بلالًا من العبودية للبشر لا يمكن أن يُستخدم لتقديس السياط والسجون.
إن أخطر ما يُبتلى به الوعي أن تُلبس الهزيمة لباس الورع، وأن يُقدَّم الخوف على أنه حكمة، وأن تتحول وظيفة بعض الناس إلى مطاردة الأحرار بينما العدو الحقيقي يعبث بالأرض والإنسان والكرامة.
لسنا ضد الدين، بل ضد من شوّهوا صورته.
لسنا ضد الطاعة، بل ضد تحويلها إلى عبودية للبشر.
لسنا ضد الحق، بل ضد من احتكروا الحديث باسمه وهم أبعد الناس عن روحه وعدله.
وفي زمن الضجيج والتزييف، يبقى للكلمة الحرة مكانها، وللصوت الصادق أثره، ولمن يرفضون بيع ضمائرهم احترام الناس وإن حوربوا وشُوّهوا.
فالكلمة التي تخرج من قلبٍ حرٍّ، لا تموت مهما تكاثر حولها حراس الخوف.
ولهذا سيبقى الوعي مقاومة، وستبقى الكرامة عقيدة، وسيبقى الإنسان الشريف أكبر من كل محاولات التدجين، لأن النفوس التي عرفت معنى العزة لا تعود صالحةً للسير في قوافل الانحناء.
أثلجَ اللهُ صدرك، ورفعَ اللهُ ذكرك يا عبدَ الله الشريف.


