لا تنشغل كثيرا بمن يثير الغبار بعد انسحابه من التيار، فليس كل غبار دليلا على حركة، بل قد يكون شاهدا على عين أظلمها ما فيها.
ليس كل من ينسحب يسكن، فبعضهم يخرج بجسده ويبقى صوته عالقا في الجدران، يغادر المكان ولا يغادر الحكاية، كأن الخروج عنده لا يتم حتى يشعل ما حوله ضجيجا.
وفي قصة إخوة يوسف ما يكشف السر لمن أبصر، لم تكن الجريمة يوما مضى وانقضى، بل كانت ندبة في الروح لا تندمل، ولم تكن البئر خلفهم بل كانت في أعماقهم:
كلما مر طيف أب حزين اضطربت فيهم أصداء الندم، وكلما لاحت بئر صامتة نطقت فيهم الذكرى، وكلما مر ذئب ارتعش في صدورهم كذب قديم، وأب ابيضت عيناه من الحزن فاسود في أعينهم كل يقين.
لم يكن يوسف غائبا كما توهموا، كان حاضرا في تفاصيلهم، في وجوه الصغار، في صفاء الأشياء، في كل معنى جميل ضاقوا به لأنهم لم يعودوا يشبهونه.
فلما سنحت لهم فرصة أعادوا نسج الخطيئة، لا لأن أحدا سألهم، بل لأن ما في الداخل لا يصمت، فجاء الاتهام شهادة زور لا حاجة لها، إلا حاجة القلب المثقل أن يخفف عن نفسه ولو بكذب جديد.
من باع قيمه مرة لا ينتهي عند البيع، بل يبدأ سفره في التيه، يطلب الأعذار، ويفتعل الخصام، ويستدعي حكايات ماتت، لا لأن الناس يطالبونه، بل لأن نفسه لا تكف عن المطالبة.
هنا يتجلى المعنى، ليست الخصومة أصل الداء، بل ضمير لم يمت ولم يحسن الحياة.
بعضهم لا يهاجمك قوة، بل هربا من مواجهة وجهه.
وحبل الكذب قصير، وصاحبه مهما طال به السير مخذول، يحمله صوته أينما ذهب، وتطارده عيناه قبل عيون الناس.
ولعل في هذا بعض إشارات الحكمة في أن شريعة جعلت الردة جريمة، مع أنها أعلت قيمة الحرية وجعلتها بوابة دخول الإسلام، إنها لم ترد قمع الاختيار، بقدر ما أرادت حماية اليقين من عبث التحول بعد تبين الطريق، وصيانة المعنى حين يصبح الانتماء وعيا لا تقلبا.


