تدخل ليبيا مرحلة جديدة من محاولات إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، في ظل تحركات أممية تستهدف توحيد مؤسسات الدولة والتمهيد لإجراء انتخابات وطنية، بينما لا تزال الخلافات بين القوى السياسية، وتدهور الأوضاع المعيشية، وهشاشة المشهد الأمني، تشكل عقبات أمام الوصول إلى تسوية شاملة.
وجاءت جلسة مجلس الأمن الدولي لتسلط الضوء على التقدم الذي أحرزته العملية السياسية خلال الأشهر الأخيرة، مقابل استمرار تحديات قد تعرقل تنفيذ التفاهمات وتحول دون إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
اتفاق سياسي يفتح باب التسوية
شهد المسار السياسي الليبي تطورًا بارزًا بتوقيع اتفاق في طرابلس، في 30 أغسطس الماضي، عقب أربعة أشهر من المشاورات بين أطراف آلية التشاور المصغرة، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
ويستهدف الاتفاق معالجة الخلافات المتعلقة بالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بما يفتح الطريق أمام إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تحت سلطة تنفيذية موحدة خلال 24 شهرًا.
ورغم الترحيب المحلي والدولي بالاتفاق، فإن مسار تنفيذه يواجه عقبات سياسية، خصوصًا بعد تأييد مجلس النواب له في سبتمبر، مقابل رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق في الخامس من أكتوبر، اعتراضًا على إجراءات اعتبرها متجاوزة للأطر الدستورية والتوافقية.
ويكشف هذا التباين أن التوصل إلى تفاهمات سياسية لا يعني بالضرورة القدرة على تنفيذها، في ظل استمرار الخلاف حول الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار بين المؤسسات المتنافسة.
الانقسام المؤسسي يعرقل بناء الدولة
لا تقتصر الأزمة الليبية على الخلاف بشأن موعد الانتخابات أو تشكيل السلطة التنفيذية، بل تمتد إلى طبيعة إدارة مؤسسات الدولة وتوزيع الصلاحيات والموارد بين الأطراف المختلفة.
فاستمرار الانقسام يضعف قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات موحدة بشأن الإنفاق العام والمشروعات التنموية والسياسات الاقتصادية، كما يزيد من صعوبة إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية لسلطة وطنية واحدة.
ويضاف إلى ذلك الانقسام داخل بعض المؤسسات القضائية، وهو تحدٍ قد ينعكس على سلامة العملية الانتخابية، خصوصًا فيما يتعلق بحسم النزاعات القانونية والطعون المرتبطة بنتائج الانتخابات.
ومن ثم، فإن إجراء انتخابات دون معالجة الخلافات المؤسسية قد يؤدي إلى تجدد الصراع بشأن شرعية النتائج، بدلًا من إنهاء الأزمة السياسية.
الاقتصاد الليبي يدفع ثمن الانقسام
تتجاوز تداعيات الانقسام المؤسسي المشهد السياسي لتصل مباشرة إلى حياة المواطنين، رغم ما تمتلكه ليبيا من موارد نفطية يفترض أن توفر قاعدة مالية مهمة لتحسين الخدمات وتحقيق التنمية.
وحذرت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، من تراجع القوة الشرائية للمواطنين، في ظل ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 14%، وزيادة أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.8% خلال أغسطس الماضي.
كما كشفت الإحاطة عن خسائر مالية كبيرة مرتبطة بتهريب الوقود المدعوم، إذ تراوحت القيمة المقدرة للكميات المحولة إلى أنشطة التهريب بين 2.4 و4.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
وتعرض قطاع النفط بدوره لاضطرابات خلال سبتمبر، تسببت في فقدان إنتاج يقدر بنحو مليون برميل، بقيمة تقارب 100 مليون دولار، نتيجة إغلاق خطوط أنابيب على خلفية خلافات محلية.
وتوضح هذه المؤشرات أن الانقسام لم يعد أزمة تتعلق بتوازنات السلطة وحدها، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في قدرة الدولة على إدارة ثرواتها وتمويل الخدمات الأساسية.
تحديات أمنية تعقد مسار الاستقرار
يمثل الملف الأمني أحد أبرز الاختبارات أمام جهود إعادة توحيد الدولة الليبية، في ظل استمرار نفوذ التشكيلات المسلحة وتعدد مراكز القوة.
ورغم تسجيل خطوات إيجابية نحو تعزيز التعاون بين المؤسسات العسكرية والأمنية في شرق البلاد وغربها، فإن هذه التحركات لم تصل بعد إلى مستوى التوحيد الشامل للمؤسسات الأمنية والعسكرية.
وتبرز أهمية هذا الملف في ارتباطه المباشر بمستقبل الانتخابات، إذ يصعب ضمان استقرار العملية السياسية دون ترتيبات أمنية متفق عليها، تحول دون استخدام القوة للتأثير في القرارات أو تعطيل تنفيذ نتائج الاقتراع.
كما أن استمرار التوترات حول المنشآت النفطية والبنية التحتية يضاعف المخاطر الاقتصادية، ويجعل الموارد الاستراتيجية عرضة للتجاذبات السياسية والأمنية.
هل تنجح الوساطة الدولية؟
تراهن الأمم المتحدة على تحويل التفاهمات الأخيرة إلى خطوات تنفيذية، مع تشجيع الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها والانخراط في عملية سياسية تفضي إلى مؤسسات موحدة وانتخابات تحظى بالقبول.
غير أن نجاح الوساطة يرتبط بمدى استعداد القوى المحلية لتقديم تنازلات متبادلة، وتجنب الإجراءات المنفردة التي قد تقوض الثقة بين الأطراف المتنافسة.
وفي المقابل، يظل الدعم الدولي عاملًا مساعدًا لا بديلًا عن التوافق الداخلي، خصوصًا أن أي تسوية تفتقر إلى قاعدة قبول محلية واسعة قد تواجه صعوبات عند الانتقال من الاتفاق السياسي إلى التنفيذ الفعلي.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى ربط المسار الانتخابي بإصلاحات اقتصادية وإدارية وأمنية ملموسة، حتى لا تتحول الانتخابات إلى مجرد محطة جديدة ضمن سلسلة المراحل الانتقالية.
ليبيا بين فرصة التوافق ومخاطر الجمود
تقف ليبيا اليوم أمام فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنهاء سنوات من الانقسام، لكنها فرصة مشروطة بقدرة القوى السياسية على تجاوز المصالح الضيقة والتوافق على قواعد واضحة لإدارة المرحلة المقبلة.
فالانتخابات قد تفتح الطريق أمام استعادة الشرعية السياسية، لكنها لن تكون كافية بمفردها ما لم يصاحبها توحيد فعلي للمؤسسات، وضمان توزيع عادل للموارد، وتحسين الخدمات العامة، وإبعاد القرار الوطني عن ضغوط السلاح.
ويبقى الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة هو قدرة الأطراف الليبية على تحويل الاتفاقات إلى مؤسسات فاعلة، وإثبات أن التوافق السياسي يمكن أن ينعكس استقرارًا ملموسًا في حياة المواطنين، بدلًا من بقاء البلاد أسيرة دورات متكررة من الخلافات والتسويات المؤقتة.


