رغم أن إفريقيا تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتشكل نحو 30% من الموارد الطبيعية في العالم، فإنها ما زالت خارج دائرة القرار الدولي في مجلس الأمن، الهيئة الأكثر نفوذًا في النظام العالمي.
فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، لم تنل أي دولة إفريقية مقعدًا دائمًا في المجلس الذي يتحكم في قرارات الحرب والسلام والعقوبات الدولية.
هذا الغياب التاريخي يثير أسئلة متكررة حول التمييز البنيوي داخل النظام الدولي، والعنصرية المبطنة التي تستبعد القارة من مقاعد النفوذ العالمي، رغم أنها المتضرر الأكبر من الصراعات والقرارات الدولية.
إرث استعماري وهيمنة مستمرة
يقول الدكتور إسماعيل مباي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة داكار، إن غياب إفريقيا عن المقاعد الدائمة هو امتداد طبيعي لتركة الاستعمار، فبعد الحرب العالمية الثانية، صُمم النظام الدولي ليراعي مصالح القوى المنتصرة فقط (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، والصين).
ويضيف:“الاستعمار خرج من الأبواب العسكرية ودخل من النوافذ الدبلوماسية، فمجلس الأمن هو وجه آخر لنظام السيطرة الذي وُضع لحماية مصالح القوى الاستعمارية لا لتكافؤ الفرص بين الأمم”.
ويرى باحثون أن الغرب لا يزال يتعامل مع إفريقيا كـ”قارة موارد لا قارة قرارات”، ما يفسر حرص القوى الكبرى على إبقاء القارة في موقع التابع داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
الاقتصاد والسياسة.. معايير القوة المزدوجة

من الناحية النظرية، يعتمد التمثيل الدائم في مجلس الأمن على معايير مثل القوة العسكرية، النفوذ الاقتصادي، والقدرة الدبلوماسية، لكن هذه المعايير، كما يرى الخبير المصري في الشؤون الدولية الدكتور نادر فخري، “تُستخدم بانتقائية سياسية”.
ويقول: “إذا كانت القوة الاقتصادية مقياسًا، فإفريقيا اليوم تضم دولًا صاعدة مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا وإثيوبيا، لكن الغرب لا يريد أن يرى هذه القوة تتحول إلى نفوذ سياسي داخل الأمم المتحدة”.
ويرى فخري أن الاقتصاد الإفريقي رغم تنوعه وضعف التكامل بين دوله، يمثل سوقًا هائلًا ومصدرًا أساسيًا للطاقة والمعادن، وهو ما يجعل القوى الكبرى تفضل بقاءه خارج منظومة القرار لتسهيل السيطرة على موارده.
التنافس الإفريقي على المقعد المنتظر
منذ التسعينيات، بدأت القارة الإفريقية تحركات منظمة للمطالبة بمقعد دائم في مجلس الأمن، وقد تصدّرت نيجيريا، وجنوب إفريقيا، ومصر المشهد كأبرز المرشحين المحتملين.
نيجيريا تمتلك أكبر اقتصاد في إفريقيا وسكانًا يتجاوزون 220 مليون نسمة، وتعتبر لاعبًا محوريًا في غرب القارة، وجنوب إفريقيا تملك نفوذًا دبلوماسيًا واسعًا وتعد من أقوى الاقتصادات الصناعية في الجنوب العالمي، ومصر تجمع بين الثقل العسكري والسياسي وتمثل بوابة الربط بين إفريقيا والعالم العربي.
لكن هذه المنافسة، كما يوضح الباحث الكيني مايكل أودينغا، أدت إلى انقسام إفريقي داخلي حال دون الاتفاق على مرشح موحد.
ويؤكد: “القارة لم تتحدث بصوت واحد، وكل دولة ترى نفسها الأجدر بالتمثيل، هذا التشتت يخدم القوى الكبرى التي ترفض التغيير بحجة غياب الإجماع الإفريقي”.
العنصرية البنيوية في النظام الدولي

يرى محللون أن ما يحدث ليس فقط خلافًا سياسيًا، بل تجسيد لعنصرية بنيوية موروثة داخل مؤسسات الأمم المتحدة،
فالنظام الذي وُضع عام 1945 يعكس رؤية العالم من منظور أبيض وغربي بحت، حيث القارة الإفريقية لم تكن حتى مستقلة بعد.
تقول الخبيرة الرواندية في العدالة الدولية إيميلي نيونغابو: “حين صيغ ميثاق الأمم المتحدة، لم تكن إفريقيا موجودة ككيانات مستقلة، ولذلك ظلت تُعامل حتى اليوم كمنطقة نفوذ لا كطرف متساوٍ في السيادة”.
وترى نيونغابو أن استمرار حرمان إفريقيا من المقعد الدائم هو إهانة رمزية لقارة بأكملها، ورسالة بأن النظام الدولي لا يزال يميز بين شمال العالم وجنوبه.
إصلاح مجلس الأمن.. بين الوعود والمماطلة
رغم وعود الإصلاح المتكررة منذ قمة الأمم المتحدة عام 2005، لم يتحقق أي تقدم حقيقي، فالولايات المتحدة وبريطانيا تدعمان مبدئيًا “توسيع المجلس”، لكنهما لا توافقان على توسيع حق الفيتو ليشمل دولًا جديدة، وهو جوهر المشكلة.
أما الصين وروسيا، فتميلان إلى دعم زيادة التمثيل الإفريقي دون منح حق النقض، ما يعني بقاء التمييز قائمًا تحت غطاء “الإصلاح الشكلي”.
غوتيريش ينتقد التجاهل
انتقد -فى يناير من العام الماضى- الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش غياب مقعد دائم للقارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي، أثناء تجديده الدعوة لوقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة وقتها.
وأكد غوتيريش في تدوينة عبر حسابه على منصة إكس – فى يناير من العام الماضى- ضرورة أن تعكس المؤسسات الدولية عالم اليوم، وليس عالم ما قبل 80 عاما، وفق تعبيره.
غياب غير عادل
يبقى غياب إفريقيا عن المقاعد الدائمة في مجلس الأمن مرآة غير عادلة للنظام الدولي القديم، الذي ما زال يدار بعقلية المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.
وبينما تسعى القارة لتوحيد صوتها عبر الاتحاد الإفريقي ومبادرات مثل “توافق إزولويني” الذي يطالب بمقعدين دائمين لإفريقيا، فإن الطريق لا يزال طويلًا وسط مقاومة القوى الكبرى لأي تغيير حقيقي.
فالسؤال لم يعد فقط: لماذا لا تملك إفريقيا مقعدًا دائمًا؟
بل: متى سيعترف العالم بحق القارة السوداء في أن تكون جزءًا من صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه؟
انعكاسات الغياب الإفريقي على قضايا القارة والعالم
إن غياب إفريقيا عن مقاعد القرار في مجلس الأمن لا ينعكس فقط على مستوى الرمزية السياسية، بل يمتد إلى النتائج الواقعية التي تمس حياة الملايين من الأفارقة.
فالقضايا الكبرى التي تعصف بالقارة — مثل الحرب في السودان، والاضطرابات في الكونغو الديمقراطية، والأزمات في الساحل الإفريقي — تُناقش داخل مجلس الأمن غالبًا بعيون القوى الغربية لا بعيون الأفارقة أنفسهم.
وفقا للمصالح الغربية
ويقول الباحث السوداني د. عبد الرحمن فضل الله إن غياب الصوت الإفريقي الدائم يعني أن القرارات تُتخذ وفق مصالح الدول الكبرى لا وفق أولويات الشعوب الإفريقية.
ويضيف: “الفيتو الغربي يُستخدم لحماية مصالح الشركات والدول الداعمة للأطراف المتحاربة، بينما تُهمّش الحلول الإفريقية أو مبادرات الاتحاد الإفريقي عمداً.”
ولا يقتصر الأمر على القارة نفسها، بل يمتد إلى القضايا العالمية التي تمس إفريقيا وجدانيًا، مثل القضية الفلسطينية، حيث تتخذ القارة مواقف داعمة للحقوق العربية والإسلامية، لكن صوتها يبقى ضعيفًا داخل الأمم المتحدة.
وبذلك، يصبح حرمان إفريقيا من المقعد الدائم ليس مجرد خلل في التمثيل، بل خلل في العدالة الدولية نفسها، إذ تُدار قضايا الجنوب العالمي دون مشاركته الفعلية في رسم القرار.


