تحت ظلال القباب التي شهدت مسرى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتراتيل الأنبياء، يرتجف هواء القدس اليوم حزناً لا خشوعاً.
فالمسجد الأقصى المبارك، القبلة الأولى ومهجة القلوب، يرزح تحت وطأة حصار صهيوني غاشم لم يكتفِ بتدنيس باحاته، بل أغلق أبوابه في وجه الساجدين، محولاً ساحاته الطاهرة إلى ثكنة عسكرية – لأحفاد القردة والخنازير-تُقمع فيها الآمال ويُغتال فيها حق الإنسان في وصال خالقه.
إنها مأساة إنسانية ودينية تتجاوز حدود الجغرافيا، حيث تئن مآذن القدس من وطأة “الأسر” في وقت يبدو فيه الصمت العربي المخزى والإسلامي غلافاً مريباً يحيط بجرحنا النازف الذى لا يغلق إلا بشفاء صدورنا بتطهيره من دنسهم.
وكأن التاريخ يعيد كتابة فصول “الغربة الثانية” للمسجد الأسير، وسط تخاذل من يُفترض بهم أن يكونوا حراساً للعقيدة وحماةً للمقدسات، ليترك الأقصى وحيداً يواجه مصيره أمام آلات الهدم ومخططات التهويد التي لا تعرف حرمةً لنبي أو قداسةً لمكان.
ولكنها سنن الله الكونية – حتى يصطفى من عباده من يتكرم عليهم ويشرفهم بفتح اولى القبلتين، الذى يشتاق الى رؤيته والصلاة به وبباحاته نظيفا من دنس اليهود الملاعين ومن عاونهم، المؤمنون الصادقون والمخلصون لله ثم دينهم، عساه أن يكون هذا اليوم قريبا بإذن الله.
سياسة “الأبواب الموصدة” واستراتيجية الخنق الممنهج
نقلت وسائل إعلام ووكالات أنباء مناهضة للاحتلال تقارير ميدانية مفزعة حول تحويل المسجد الأقصى إلى منطقة عسكرية مغلقة بقرار سياسي وأمني صهيوني، حيث تم منع المصلين من الوصول إلى باحاته لعدة أيام متواصلة، في خطوة وصفتها مراكز حقوقية بأنها “إعدام ديني” جماعي.
وتؤكد هذه الوسائل أن الاحتلال يستغل انشغال العالم بالحروب الإقليمية ليفرض واقعاً جديداً يعتمد على “تفريغ المسجد” من عماره المسلمين، فاسحاً المجال أمام اقتحامات المستوطنين التي لم تعد مجرد جولات استفزازية.
وتحولت تلك الاقتحامات إلى طقوس تلمودية علنية تهدف إلى تكريس التقسيم الزماني والمكاني كأمر واقع لا رجعة عنه، وسط صمت رسمي عربي يكتفي ببيانات “القلق” الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع أمام تغول جرافات التهويد.
سيناريوهات التقسيم الكلي وفرض “الهيكل” المزعوم
تتحدث مراكز أبحاث دينية وسياسية عن سيناريوهات تنتظر المسجد الأقصى في ظل الحكومة الصهيونية الحالية الأكثر تطرفاً وفقا لمخططاتهم.
وتبرز مخاوف من إقدام الاحتلال على اقتطاع أجزاء حيوية من المصلى المرواني أو الساحات الشرقية لتحويلها إلى كنس يهودية دائمة.
هذا السيناريو، الذي تروج له جماعات “الهيكل” بدعم حكومي علني، يهدف إلى إنهاء الوصاية الإسلامية التاريخية على المسجد وتحويله إلى “مرفق ديني مشترك” في المرحلة الأولى، وصولاً إلى الحلم الصهيوني الأكبر بهدم القبة والمصلى القبلي لبناء الهيكل المزعوم.
ويرى مراقبون أن الصمت العربي الراهن يغذي هذه التطلعات، ويجعل من سيناريو “التهجير الديني” من القدس حقيقة تقترب كل يوم مع استمرار حصار المصلين ومنع الشباب من الرباط في أكناف بيت المقدس.
الاعلام الإسلامي المناهض وصيحة التحذير
على الجبهة الإعلامية، تواصل القنوات والمنصات الإسلامية المناهضة للاحتلال رصد وتوثيق كل اعتداء، محذرة من أن المساس بالأقصى هو عود الثقاب الذي سيشعل “حرباً دينية” شاملة لن تقتصر حدودها على فلسطين.
هذه الوسائل تؤكد أن الاحتلال يراهن على “تطبيع المشهد”، أي جعل إغلاق الأقصى خبراً عادياً يمر في نشرات الأنباء دون رد فعل حقيقي، وهو ما ترفضه الحركات الشعبية التي تدعو إلى “هبة الأقصى” لاستعادة السيادة الإسلامية عليه.
وترى هذه الوسائل أن المعركة الحالية هي معركة “وعي ووجود”، حيث يحاول الاحتلال مسح الذاكرة التاريخية للمسجد، بينما يسعى الإعلام الحر إلى إبقاء قضية المسجد الأسير حية في ضمير الأمة، كاختبار أخير لما تبقى من كرامة وإنسانية في عالم – يحكمه مجموعة من الشواذ والفسدة- يدعي حماية الحريات بينما يغض الطرف عن ذبح أقدس مقدسات المسلمين.
مستقبل الوصاية وأثر “الغياب العربي” على صمود المرابطين
يبقى السؤال المؤلم حول أفق الحل في ظل غياب استراتيجية عربية وإسلامية موحدة لإنقاذ الأقصى؛ فالمقدسيون والمرابطون الذين يواجهون بصدورهم العارية آلة القمع الصهيونية يشعرون بمرارة “الخذلان” من عمقهم الاستراتيجي.
إن استمرار الانغلاق العربي على الأزمات الداخلية وتقديم لغة المصالح على لغة المقدسات يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدماً في خططه الإحلالية.
والسيناريو الأكثر ترجيحاً، إذا استمر هذا الصمت، هو تحول المسجد الأقصى إلى “متحف أثري” تحت سيطرة أمنية صهيونية كاملة، حيث يُسمح بالزيارة ولا يُسمح بالعبادة؟، مما يعني إنهاء مقدس وثوابت دينية للأمة الاسلامية، وهو ما يستوجب تحركاً شعبياً ومن العلماء المخلصين والدعاة عاجلاً لكسر طوق الحصار وإعادة الاعتبار للمسجد الذي بارك الله حوله.
مرثية المآذن الصامتة.. حين يموت فينا الأقصى ونحن على قيد الحياة
يا وجع القباب التي لم تعد تسمع لركوعنا صدى، ويا حزن المحاريب التي باتت تشتاق لجبهة ساجدٍ حُرّ؛
إن حال المسجد الأقصى اليوم ليس مجرد مأساة حجرٍ يُهدم أو بابٍ يُغلق، بل هو المرآة المنكسرة لروح أمةٍ ضيعت بوصلتها في تيه الصمت المريب.
كيف نغفو وملء عيوننا طعنات الغدر في خاصرة القدس؟ وكيف تستقيم لنا صلاة ونحن نرى “مسرى النبي الحبيب” يُكبل بالأصفاد، ويُمنع عنه أهله، بينما تكتفي عواصمنا بدموع التماسيح والبيانات الباردة التي لا تدفئ طفلاً مرابطاً خلف الأسوار؟
إنها الفاجعة الكبرى؛ حين تصبح “القدس” مجرد قصيدة في ديوان منسي، ويغدو “الأقصى” وحيداً يصارع أنياب التهويد، يلتفت يميناً وشمالاً فلا يجد إلا صدى صوته المبحوح ينادي أمّةً غارقة في صراعاتها الهامشية ولهوها المخزى، وكأنها استمرأت الذل واعتادت مشهد المسجد الأسير خلف القضبان.
إننا لا نبكي على الأقصى اليوم، فهو طاهرٌ مبرأ، بل نبكي على أنفسنا، على قلوبنا التي تحجرت، وعلى نخوتنا التي وُوريت الثرى قبل أن تُوارى أجسادنا.
يا ليت مآذن القدس تتكلم، فلم يعد صمتها يوقظ فينا خجلاً يقتلنا، فما أصعب أن نعيش ليرى التاريخ في عهدنا أقصانا يُذبح بدمٍ بارد، وأمةً بملياريها.. تكتفي بالمشاهدة والندب فوق أطلال الكرامة الغريقة.






