في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية”، كشف رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة عن تفاصيل “الاتفاق التنموي الموحد” بين حكومتي شرق وغرب ليبيا، والذي يمثل أول ميزانية موحدة للبلاد منذ أكثر من عقد، بإجمالي إنفاق يتجاوز 26 مليار دولار، في محاولة لإنهاء حالة الانقسام المالي التي عانت منها ليبيا منذ عام 2014.
جاء الإعلان خلال اجتماع رسمي لمجلس الوزراء، حيث أكد الدبيبة أن الاتفاق هو نتاج مفاوضات سياسية واقتصادية استمرت نحو سبعة أشهر، وأسفرت عن توحيد آليات الإنفاق العام وإدارته عبر مؤسسات مالية موحدة، تشمل وزارة مالية واحدة ومصرف ليبيا المركزي، بما يعيد المالية العامة إلى “مسارها الطبيعي”.
تفاصيل الميزانية: أربعة أبواب رئيسية
يتأسس الاتفاق على تقسيم الميزانية العامة، التي تبلغ نحو 167 مليار دينار ليبي (أكثر من 26 مليار دولار)، إلى أربعة أبواب رئيسية: المرتبات، النفقات التسييرية، الدعم، والتنمية.
ويستحوذ بند المرتبات على النصيب الأكبر بقيمة تتجاوز 73 مليار دينار (نحو 11.5 مليار دولار)، بينما خُصص نحو 44 مليار دينار للدعم، و10 مليارات للنفقات التسييرية، في حين بلغت مخصصات التنمية نحو 40 مليار دينار (قرابة 6 مليارات دولار).
ويُعد بند التنمية، بحسب تصريحات الدبيبة، “جوهر الاتفاق”، حيث يتضمن تمويل مشاريع استراتيجية تشمل الكهرباء والتعليم والبنية التحتية والخدمات الأساسية، في إطار خطة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
إنهاء الانقسام المالي وبداية مرحلة جديدة
يمثل الاتفاق تحولًا جذريًا في إدارة الاقتصاد الليبي، إذ يضع حدًا لازدواجية الإنفاق التي استمرت لأكثر من 13 عامًا نتيجة الانقسام السياسي بين حكومتين في شرق وغرب البلاد. ويهدف إلى توحيد الإيرادات العامة وإيداعها في حساب الخزانة الموحدة، ومنع الإنفاق الموازي الذي كان أحد أبرز مظاهر الفوضى المالية.
كما يتضمن الاتفاق إنشاء منظومة رقابية صارمة تشمل تقارير شهرية ولجان متابعة مشتركة، لضمان الشفافية والانضباط المالي، في محاولة لاستعادة ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في الاقتصاد الليبي.
أبعاد اقتصادية وتنموية
يتجاوز الاتفاق كونه مجرد موازنة مالية، ليشكل إطارًا جديدًا لإدارة الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل اعتماد ليبيا الكبير على عائدات النفط. وقد أشار الدبيبة إلى إخضاع المؤسسة الوطنية للنفط لمراجعة دولية مستقلة، مع اعتماد آليات تمويل جديدة لزيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة، بما يضمن استدامة الموارد.
ومن المتوقع أن يسهم الاتفاق في تحقيق استقرار نسبي في الأسعار، وتعزيز قيمة الدينار الليبي، إضافة إلى تحسين الخدمات العامة من خلال تنفيذ مشاريع تنموية موزعة جغرافيًا بشكل متوازن.
دلالات سياسية: نحو توحيد مؤسسات الدولة
يحمل “الاتفاق التنموي الموحد” أبعادًا سياسية لا تقل أهمية عن أبعاده الاقتصادية، إذ يعكس تقاربًا بين الأطراف الليبية المتنازعة، ويمثل خطوة نحو توحيد مؤسسات الدولة، خاصة في ظل وجود حكومتين تتنافسان على الشرعية.
وقد رحبت قوى دولية عدة بالاتفاق، معتبرة أنه يمثل تقدمًا مهمًا نحو تحقيق الاستقرار المالي والسياسي في ليبيا، ويمهد الطريق لإصلاحات أوسع في مجالات الحوكمة وإدارة الموارد.
تحديات التنفيذ: الاختبار الحقيقي
رغم أهمية الاتفاق، فإن نجاحه يبقى مرهونًا بمدى الالتزام بتنفيذه على أرض الواقع، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السياسي الليبي، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. كما أن ضبط الإنفاق، ومحاربة الفساد، وضمان الشفافية، تمثل تحديات حقيقية أمام الحكومة.
في المحصلة، يشكل الاتفاق التنموي الموحد نقطة تحول مفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، إذ يفتح الباب أمام إعادة بناء الاقتصاد على أسس موحدة، ويمنح البلاد فرصة حقيقية للخروج من دائرة الانقسام، نحو مرحلة من الاستقرار والتنمية، إذا ما كُتب له التنفيذ الفعلي.






