التعليق الدامي

في فاجعة تَهُزُّ مصر، حين تحدث شاب عشريني اسمه مصطفى محمد مصطفى عبده، البالغ من العمر 22 عاما

ويقيم بقرية برمبال الجديدة محافظة الدقهلية في بث مباشر عن التخلص من حياته بتناول حبوب الغلال السامة،

وقال: “أنا أخدت حباية الغلة وذنبي في رقبة كل اللي ظلمني ومش مسامح كل من ظلمني”.

كان قد كتب على صفحته دعاءَ «فك العقد يا ربي.. نار قلبي تتقد» وكان هذا الشاب يمر بضغوط وقد أثقلته هموم،

ومثل هذا المهموم كان ينبغي أن يجد على الخير أعوانا يعينونه على تنفيث كربه وسداد دينه ومن لم يستطع ذلك فليس أقل من أن يُعلق على دعواته بتأمين أو دعاء بتنفيث الكرب،

ولكن أن يجد مُعلقًا مستهترا يؤزه على الشر ويدفعه إليه حين يأمره بأخذ حبة الغالة السامة لإطفاء نار قلبه،

فلا يُستساغ ذلك، وهو أمر غاية الخطورة، وربما يتحمل المُعلِّقُ كفلًا من دم الشاب المنتحر،

حين يلقي بهذا التعليق ساخرا ليضحك الناس فيفتح باب الشر على إنسان في حالة سيئة، ثم إن الله سيسأله عَمَّا كتب،

فلا يستهن أحدٌ بتعليق أو كلمة

وما من كاتب إلا سيفنى ** ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء ** يسرك في القيامة أن تراه.

 جبر الخواطر

وما ضَرَّ صاحب التعليق لو جبر خاطر المحزون بكلمة فقد قال سفيان الثوري: ما رأيت عبادة أعظم وأجل من جبر الخواطر،

نسأل الله أن يتجاوز عن الشاب برحمته، وأن يجعلنا من أهل جبر الخواطر.

فمراعاة المشاعر وجبر الخواطر عبادة نبيلة، وهي دليل على مكارم الاخلاق ونبل الشيم.

وقد قال مصطفى محمد: في بثّه المباشر على الهواء عبر صفحته، “حسبنا الله ونعم الوكيل”،

ويوكل ذنب موته إلى من تسبّب فيه، ثم ابتلع حبوب غلّة سامة، اشتهرت في مصر مقترنةً بحالات الانتحار السريع، للشبان الذين ضاقت عليهم هذه الحياة،

حتى أفضت روحه إلى بارئها، وحسبه أنه عند ربه، عساه يغفر له خطيئته،

فلعل كاتب هذا التعليق المُحرِّض له على الموت بهذه الطريقة في لحظة الضعف هذه قد دَلَّه على مخرجٍ من محنته -حسبما سولت له نفسه-

فأعان الشيطان عليه وحَرَّك دوافعه تجاه ما اعتزم عليه، ولعله يتحمل كِفلًا من دمه،

فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

“إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم”

من مات منتحرًا

أما من مات منتحرًا، فقد مات على الإسلام، وترجى له رحمة الله التي وسعت كل شيء؛ ولعل رحمة الله أن تتداركه، وقد دلت النصوص على أن المنتحر من جملة المسلمين،

وأنه ليس خارجًا من الملة بهذا الفعل، وأنه تحت مشيئة الله تعالى، ففي صحيح مسلم عن جَابِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

أَنَّ الطّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ،

وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ؛ فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ،

فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ،

فَرَآهُ الطّفَيْلُ فِي مَنَامِهِ وَهَيْئَتِهِ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟

فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مغَطِّيًا يَدَيْكَ؟

قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فاغفر

قال أبو زكريا النووي -رحمه الله-: فيه حجة لقاعدة عظيمة لِأَهْلِ السّنَّةِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً غَيْرَهَا وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، وَلَا يقْطَعُ لَهُ بِالنَّارِ،

بَلْ هوَ فِي حكْمِ الْمَشِيئَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ وَتَقْرِيرُهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ شَرْحٌ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْلَهُ،

الْموهِمُ ظَاهِرُهَا تَخْلِيدَ قَاتِلِ النَّفْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ.

وَفِيهِ إِثْبَاتُ عقُوبَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ هَذَا عوقِبَ فِي يَدَيْهِ. فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تَضُرُّ. انتهى.

وإذا علمنا هذا؛ فالنصيحة المبذولة لمن سمع بمثل هذا الحال أن يحمد الله على نعمة المعافاة من هذا البلاء،

وأن يجتهد في الدعاء لهذا الميت، وأن يرجع أمره إلى الله تعالى الذي لا تضيع عنده مثاقيل الذر،

والذي هو أرحم بعبده من الأم بولدها. نسأل الله العافية ودوامها ونعوذ بالله من جهد البلاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights