العاصمة طرابلس في قلب معادلة السلطة
تعيش الساحة السياسية في ليبيا حالة من التوتر المتصاعد بعد بروز مؤشرات على إعادة ترتيب موازين القوى داخل معسكر الغرب الليبي، في ظل تداخل واضح بين المسارات السياسية والأمنية. فقد أثار ترحيب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بمبادرة رئيس حكومة الاستقرار الوطني أسامة حماد لإطلاق حوار سياسي يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة، موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية، خاصة مع تزامن ذلك مع تصاعد خطاب التهديد من بعض التشكيلات المسلحة في العاصمة طرابلس ضد حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات جدية حول مستقبل السلطة التنفيذية في غرب البلاد، وما إذا كانت المرحلة المقبلة قد تشهد تحولًا في موازين القوى داخل العاصمة التي ظلت لسنوات مركز الصراع السياسي والأمني.
مبادرة الحوار وإعادة رسم التوازنات
يرى مراقبون أن الترحيب بالمبادرة السياسية المطروحة لا يمكن قراءته باعتباره خطوة بروتوكولية فقط، بل يعكس محاولة لإعادة تنشيط المسار السياسي عبر حوار ليبي–ليبي يمكن أن يقود إلى تشكيل حكومة توافقية جديدة تمهد لإجراء الانتخابات المؤجلة منذ سنوات.
غير أن القراءة الأعمق للمشهد تشير إلى أن ما يجري يتجاوز إطار المبادرات السياسية التقليدية، ليعكس محاولة لإعادة ترتيب الخريطة السياسية والأمنية في غرب ليبيا. ففي ظل الانقسام المؤسسي المستمر، لم تعد شرعية الحكومات تعتمد فقط على الاعتراف الدولي أو المرجعيات الدستورية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بميزان القوة على الأرض وبشبكات التحالف داخل المنظومة الأمنية والعسكرية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم موقف المجلس الرئاسي بوصفه محاولة لإعادة التموضع السياسي داخل أي تسوية مقبلة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط المحلية والدولية لكسر حالة الجمود السياسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
كما أن طرح مدن مثل سرت أو بنغازي أو غدامس لاستضافة الحوار يحمل دلالات رمزية وسياسية، إذ يعكس رغبة في نقل مركز النقاش الوطني بعيدًا عن الاستقطاب الحاد داخل العاصمة.
الميليشيات لاعب حاسم في معركة الشرعية
في المقابل، يكشف التصعيد الصادر عن بعض القوى المسلحة في طرابلس ضد حكومة الدبيبة عن البعد الأمني العميق للأزمة الليبية، وهو البعد الذي ظل منذ عام 2011 أحد العوامل الحاسمة في تشكيل ملامح السلطة في البلاد.
فعندما تدخل التشكيلات المسلحة بشكل مباشر على خط الصراع السياسي وتلوّح بإخراج حكومة قائمة من العاصمة، فإن ذلك يعكس حقيقة أن معركة الشرعية في ليبيا لا تُحسم داخل المؤسسات السياسية وحدها، بل تتشكل أيضًا في ميدان النفوذ الأمني والعسكري.
وفي هذا السياق، تشير بعض التقديرات إلى أن التهديدات التي أطلقتها قوة حماية طرابلس تعكس حالة من التململ داخل بعض المجموعات المسلحة التي كانت تشكل أحد أعمدة الدعم السياسي والعسكري لحكومة الدبيبة في السنوات الماضية.
هل يقترب سقوط الحكومة؟
رغم التصعيد السياسي والأمني، يرى عدد من المحللين أن الحديث عن نهاية وشيكة لحكومة الوحدة الوطنية قد يكون سابقًا لأوانه. فالحكومة ما تزال تستند إلى شبكة معقدة من التحالفات السياسية والأمنية داخل طرابلس ومحيطها، كما أنها لا تزال تحظى بدرجة من الاعتراف الدولي باعتبارها سلطة أمر واقع.
ومع ذلك، فإن ظهور مؤشرات على تراجع الدعم داخل بعض الدوائر المسلحة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات داخل معسكر الغرب الليبي، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على مستقبل الحكومة.
وتأتي هذه التطورات أيضًا في ظل توتر سياسي بين المجلس الرئاسي والحكومة، خاصة بعد رفض المجلس تعديلات وزارية أجراها الدبيبة في محاولة لسد الشواغر داخل حكومته.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المشهد الليبي يتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع موازين القوة الأمنية، ما يجعل مستقبل السلطة في العاصمة مفتوحًا على عدة سيناريوهات، تتراوح بين استمرار الوضع القائم أو الدخول في تسوية سياسية قد تفضي إلى حكومة موحدة تمهد أخيرًا لإجراء الانتخابات المؤجلة.






