منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم تغب مشاهد الحرب والانقسام عن ليبيا، لكن ما ظل أكثر قسوة هو مصير آلاف المفقودين الذين اختفوا في ساحات القتال، أو خلف جدران سجون سرية، أو في قبضة مجموعات مسلحة متناحرة. وبين سلطتين متنافستين في الشرق والغرب، بقي الملف معلقاً، تدفع ثمنه عائلات لا تطلب سوى إجابة: هل أبناؤها أحياء أم أموات؟
انتظار لا ينتهي
كل مساء، يجلس إبراهيم الجديدي أمام منزله في حي “شعبيات السوق” بترهونة، محدقاً في الطريق ذاته الذي سلكه شقيقه يوسف صباح 12 يناير/كانون الثاني 2020 قبل أن يختفي. اقتادته “مليشيا الكانيات”، التي كانت تسيطر على المدينة آنذاك وتحالفت مع قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر خلال هجومه على طرابلس (2019–2020)، بتهمة غامضة تتعلق بـ“تسريب معلومات”. منذ ذلك الحين، لم يعد.
لم تعثر العائلة على اسمه بين ضحايا المقابر الجماعية المكتشفة لاحقاً في ترهونة. لم يُسجل كشهيد، ولم تصدر شهادة بوفاته. يوسف في نظر القانون “مفقود”، وفي نظر عائلته غيابٌ معلّق بين الأمل واليأس.
قصة يوسف ليست استثناءً. ففي طرابلس، اختفى خالد المنفّق خلال اشتباكات مايو/أيار 2022 بين “جهاز دعم الاستقرار” ولواء “النواصي”. توقّف راتبه الوظيفي، وتعذرت إدارة ممتلكاته أو تجديد تراخيص محله التجاري، ولم تتمكن أسرته من الحصول على حكم قضائي يثبت وفاته. زوجته ليست أرملة قانوناً، وأطفاله بلا مورد ثابت. هكذا تتحول المأساة الإنسانية إلى أزمة قانونية واجتماعية متشابكة.
أرقام متضاربة وواقع أشد قتامة
الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين أعلنت العثور على 300 جثمان عقب اكتشاف المقابر الجماعية في ترهونة، مع بقاء 67 مفقوداً من أحداث 2019–2020 في المدينة وحدها. رئيس الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين والمبتورين يتحدث عن 142 مفقوداً خلال محاولة السيطرة على طرابلس، بينما يبلغ عدد المفقودين في حرب 2011 أكثر من 8200 شخص.
غير أن منظمات حقوقية تؤكد أن هذه الأرقام لا تشمل المختطفين قسراً في سياق أنشطة إجرامية أو المحتجزين في سجون سرية تديرها مجموعات مسلحة شرقاً وغرباً، ما يعني أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى بكثير.
سجون بلا رقابة.. وملف مسيّس
يقول حقوقيون إن ملف المفقودين لم يكن أولوية لدى السلطات المتعاقبة. فالانقسام السياسي جعل من القضية رهينة تجاذبات بين مجلس النواب في الشرق وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس. الأولى لا تعترف بشرعية الثانية، والثانية تتجنب فتح ملفات قد تكشف سجوناً سرية تديرها مجموعات مسلحة ضمن نطاق نفوذها.
الكشف عن عشرات الجثث في مستشفى الحوادث بطرابلس منتصف 2025، والذي كان خاضعاً لسيطرة جهاز دعم الاستقرار، أعاد تسليط الضوء على هذه السجون. وفي الشرق، يُتهم معسكر حفتر بإدارة مرافق احتجاز خارج الرقابة القضائية. بين الطرفين، تضيع الحقيقة.
ملف المفقودين يرتبط عضوياً بمسار العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، لكن الخلافات السياسية عطّلت حتى مرسوم المجلس الرئاسي رقم 2 لسنة 2025 بشأن المصالحة، الذي رفضه مجلس النواب.
تعثر تشريعي.. قانون يعود إلى 1954
المعضلة لا تقف عند البعد الأمني، بل تمتد إلى فراغ تشريعي معقد. فالقانون المدني الليبي الصادر عام 1954، في مادته 32، يحيل أوضاع المفقودين إلى “قوانين خاصة، فإن لم توجد فأحكام الشريعة الإسلامية”. وبما أن قانوناً شاملاً للمفقودين لم يصدر، تلجأ المحاكم إلى فتاوى شرعية لتحديد مصير الغائب.
المفقود العسكري تنظمه أحكام قانون التقاعد العسكري لسنة 1974، الذي يجيز الحكم بموته بعد أربع سنوات من الفقد. أما المدني، فيبقى رهين اجتهادات قضائية متباينة. بين 2016 و2025، صدرت 3473 حكماً فقط بموت مفقودين، وغالباً في حالات العثور على الجثث أو وجود شهود معارك. أما من لم يُعثر عليهم ولم تثبت مشاركتهم في قتال، فيبقون قانونياً “غائبين”، ما يجمّد حياة أسرهم.
يزيد الوضع تعقيداً قانون 2014 بشأن “رعاية أسر الشهداء والمفقودين”، الذي حصر تعريف المفقود بمن اختفوا خلال حرب 2011، مستبعداً ضحايا النزاعات اللاحقة، ما خلق فجوة قانونية واسعة.
مؤسسات متداخلة واختصاصات متنازعة
حتى على مستوى المؤسسات، تتنازع الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين ومصلحة الطب الشرعي صلاحيات تحديد الوفاة، فيما تفتقر الجهات المعنية إلى قاعدة بيانات موحدة. الاجتماعات التي رعتها بعثة الأمم المتحدة في سبتمبر 2025 أسفرت عن مسودة أولى لقانون جديد، لكنها ما تزال بحاجة إلى توافق سياسي واسع قبل عرضها على البرلمان.
كلفة إنسانية واجتماعية
النتيجة أن آلاف الأسر تعيش حالة “تعليق قانوني”: زوجات لا يُعترف بهن أرامل، أطفال بلا معاشات، ممتلكات مجمدة، ونزاعات ميراث معلقة. بعض العائلات تكتفي بالحصول على شهادة وفاة، ليس طمعاً في تعويض، بل لإنهاء عذاب الانتظار.
العدالة المؤجلة
ملف المفقودين في ليبيا ليس قضية إدارية أو قانونية فحسب، بل اختبار لقدرة الدولة على الاعتراف بضحاياها، ومحاسبة المسؤولين، وبناء مسار مصالحة حقيقي. دون إطار قانوني واضح، وكشف شفاف عن السجون السرية، وتعاون قضائي موحد بين الشرق والغرب، سيبقى الملف مفتوحاً، وستظل صور المفقودين معلقة على الجدران وفي ذاكرة وطن لم ينهِ حربه بعد.
في ليبيا، لا تنتهي المأساة عند الاختفاء، بل تبدأ منه.







