تفجّرت الأوضاع على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن لغم أمني أعاد التوتر إلى شريط صحراوي يمتد قرابة 340 كيلومتراً، من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً قرب ممر السلفادور، وصولاً إلى النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً، في منطقة طالما ظلت مفتوحة على احتمالات الصراع والتداخلات الإقليمية.
الشرارة هذه المرة تمثلت في ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب» بقيادة محمد وردقو، التي نفذت في يناير الماضي هجوماً متزامناً على ثلاث نقاط حدودية خاضعة لسيطرة قوات «الجيش الوطني الليبي»، شملت منفذ التوم، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور. وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة عسكريين وإصابة آخرين، إضافة إلى أسر عدد من العناصر، قبل أن تعلن القيادة العامة لاحقاً تحريرهم في عملية مضادة وصفتها بـ«النوعية والدقيقة».
القيادة العامة للجيش، بقيادة المشير خليفة حفتر، اعتبرت الهجوم «عملاً إرهابياً غادراً» تقف وراءه «جهات معادية» تسعى إلى تقويض الاستقرار في الجنوب. وفي هذا السياق، برز دور الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام، الذي أكدت مصادر مقربة من القيادة أنه أشرف على عملية سريعة لاستعادة الجنود المختطفين وتعزيز الانتشار العسكري على طول الشريط الحدودي.
غير أن الرواية لم تبقَ عسكرية بحتة. فقد تناقلت وسائل إعلام محلية أنباء عن القبض على وردقو، بينما نفت منصات محسوبة على حكومة حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس صحة هذه المعلومات، ما يعكس استمرار الانقسام السياسي والأمني بين شرق البلاد وغربها، حتى في الملفات المرتبطة بالأمن القومي والحدود.
اللافت أن هذه النقاط الحدودية الثلاث تمثل عقداً استراتيجية في شبكة التهريب والهجرة غير النظامية، وتقاطعات نفوذ لمجموعات مسلحة عابرة للحدود. ويؤكد مراقبون أن المنطقة تحولت منذ سنوات إلى ملاذ لمتمردين تشاديين، بعضهم شارك في العمليات التي أفضت إلى مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي في أبريل 2021، بعدما انطلقوا من قواعد خلفية في الجنوب الليبي.
الكاتب الليبي عبد الحكيم معتوق أشار إلى أن الاشتباكات الأخيرة في مناطق الغرنديقة وسيوف الرمال بوادي أملولو شهدت «انسحاباً تكتيكياً» لعناصر «تحرير الجنوب» تحت ضغط الضربات الجوية المكثفة. وهذه المناطق الواقعة ضمن النطاق الجغرافي لبلدية غات تمثل بدورها بؤراً رخوة في معادلة الأمن الحدودي، حيث تتقاطع الجغرافيا الوعرة مع هشاشة الدولة.
سياسياً، أثار ظهور وردقو على قناة «سلام» المحلية، وتقديمه بوصفه قائداً لعمليات «تحرير الجنوب»، جدلاً واسعاً. الناشط أسامة الشحومي اعتبر الخطوة خرقاً صريحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020، الذي أنهى جولات الاقتتال الكبرى بين شرق ليبيا وغربها، وفتح الباب أمام مسار سياسي هش لا يزال يترنح.
أما الخلفية الاجتماعية والسياسية لوردقو فتزيد المشهد تعقيداً. فبحسب كتابات ليبية، ينحدر الرجل من أصول تشادية وكان مقيماً في منطقة أوزو المتنازع عليها سابقاً بين ليبيا وتشاد. وبعد حكم محكمة العدل الدولية بإعادة المنطقة إلى تشاد في تسعينات القرن الماضي، تحولت أوزو إلى مساحة رخوة استغلتها شبكات مسلحة عابرة للحدود، بعضها تحرك بدوافع سياسية خلال صراع 2014 بين «فجر ليبيا» و«عملية الكرامة»، قبل أن يجد نفسه لاحقاً خارج حسابات التمويل والتحالفات.
ويرى محللون أن ما يجري اليوم هو امتداد لتحول خطير: من الارتزاق السياسي المرتبط بصراعات المراكز في الشمال، إلى ابتزاز محلي قائم على فرض الإتاوات والسيطرة على المعابر وخطوط التهريب. وفي ظل ضعف التنمية وغياب الدولة في عمق الجنوب، تصبح الحدود أكثر من مجرد خط سيادي؛ تتحول إلى مورد اقتصادي وساحة تصفية حسابات إقليمية.
هكذا، تبدو الحدود الليبية ـ النيجرية أمام اختبار جديد. فبين روايات «التحرير» وبيانات «السحق»، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدولة الليبية، المنقسمة سياسياً، أن تفرض سيادتها الكاملة على صحرائها المترامية؟ أم أن هذا الشريط الحدودي سيظل لغمًا قابلاً للانفجار مع كل تغير في موازين القوى المحلية والإقليمية؟







