شهدت الساحة الاقتصادية الدولية تحولاً إستراتيجياً بارزاً نحو تعزيز التعاون البيني “جنوب-جنوب”، بعيداً عن الهيمنة التقليدية للأسواق الغربية وضغوطها الهيكلية.
وجاء انطلاق فعاليات منتدى الشركات الأفريقي بتنظيم من الذراع التجاري لمنظمة التعاون الإسلامي، ليترجم التطلعات السياسية التاريخية إلى مشاريع تنموية ملموسة على أرض الواقع.
ولم يعد التحدي مقتصرًا على إدانة الاختلالات الاقتصادية العالمية، بل في بناء شبكات أمان لوجستية وتمويلية مستقلة، قادرة على تفعيل طاقات المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تشكل العصب الحيوي لاقتصادات القارة السمراء، وتأمين مستقبل أمنها الغذائي والتكنولوجي عبر شراكات عابرة للمحيطات.
وشهد المنتدى توقيع اتفاقيات شراكة إستراتيجية مكثفة بين كبرى الشركات في دول أفريقيا وآسيا، تهدف بشكل مباشر إلى تعزيز كفاءة سلاسل التوريد البينية وحمايتها من الصدمات الجيوسياسية الدولية المتلاحقة.
ويستعد مركز التجارة التابع لمنظمة التعاون الإسلامي لإطلاق منصة رقمية موحدة، تستهدف تسهيل وتسريع إجراءات التصدير والاستيراد بين الدول الأعضاء، وتقليص المعاملات البيروقراطية لرفع حجم التبادل التجاري المشترك.
صندوق استثماري لدعم التكنولوجيا الزراعية
وتتجه الوفود المشاركة لإقرار إنشاء صندوق تمويلي واستثماري مشترك يركز على دعم الشركات الناشئة المتخصصة في الابتكار والتكنولوجيا الزراعية، لمواجهة التحديات المزمنة للأمن الغذائي بالقارة الأفريقية.
المنشآت الصغيرة والمتوسطة
وكانت العواصم الأفريقية قد شهدت فعاليات منتدى الشركات الصغيرة والمتوسطة الأفريقي، في إطار الجهود الشاملة للمنظمة لتعزيز التكامل الاقتصادي، وفتح أسواق جديدة للمنتجات والخدمات الإسلامية وتجاوز عقبات التصدير.
نصف قرن من حماية الهوية والتضامن
وتعود جذور منظمة التعاون الإسلامي لعام ألف وتسعمائة وتسعة وستين حين تأسست لحماية المقدسات ودعم القضية الفلسطينية، وعقب الحريق الذى تعرض له المسجد الأقصى الشريف والمبارك، وقبل أن تطور أجهزتها لتشمل مراكز تجارية متخصصة في التدريب وتنظيم المعارض الدولية.
معالجة الفجوة التمويلية للعمود الفقري
وأكد خبراء البنك الأفريقي للتنمية أن المنشآت الصغيرة توفر أكثر من ثمانين بالمئة من فرص العمل بالقارة السمراء، مما يجعل تذليل عقباتها التمويلية ركيزة أساسية لضمان النمو والاستقرار المجتمعي الشامل.
ترجمة الشعارات السياسية لمكاسب ملموسة
ويجمع المحللون الاقتصاديون على أن الحراك الراهن يمثل خطوة عملية لإنشاء سوق إسلامية وأفريقية ضخمة ومتكاملة، تملك القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات والمعايير الحمائية التي يفرضها النظام المالي الغربي.
صياغة المستقل الاقتصادي لبلدان الجنوب
أن صياغة مستقبل التنمية لم تعد رهينة المساعدات الدولية المشروطة، بل باتت ترتكز على التمويل الذاتي والابتكار الرقمي المشترك؛ فإطلاق المنصات الموحدة وتأسيس صناديق التكنولوجيا الزراعية يمثلان حجر الزاوية لبناء اقتصاد مرن وقادر على استيعاب الطاقات الشبابية.
ومع اختتام الفعاليات الجارية، يقف صناع القرار أمام مسؤولية تاريخية لتحويل هذه التفاهمات والعهود إلى واقع مالي ملموس يلمسه أصحاب المشروعات الصغيرة، بما يضمن فك الارتباط التدريجي بالأسواق التقليدية وصياغة نظام تبادل تجاري عادل ومتكافئ يمتد من سواحل الأطلسي إلى شواطئ الهادئ.


