فاز زهران ممداني أمس بسباق عمدة نيويورك في نتيجة اعتبرها كثيرون لحظة مفصلية في السياسة الأميركية. المشرّع الشاب الذي عرف نفسه كاشتراكي ديمقراطي نجح في تحقيق ما بدا قبل أشهر قليلة أمراً مستحيلاً: هزيمة ثقيلة لرموز السلطة التقليدية وبلوغ منصب يقوده لأول مرة مسلم وجنوب آسيوي في تاريخ المدينة. في هذا البروفايل نحاول تجميع صورة الرجل: أصوله الجغرافية والإثنية، شبكة تحالفاته وعداواته السياسية، أبرز مواجهاته مع أندرو كوامو ودونالد ترامب، ونسب الأصوات التي منحتَه سُلطة إدارة أكبر مدينة أميركية.
الأصول والجذور: كمبالا — جنوب أفريقيا — نيويورك
ولد زهران ممداني عام 1991 في كمبالا بأوغندا لأسرة من أصول هندية، ونشأ طفلاً بين بلدان أفريقيا ثم استقر مع أسرته في نيويورك حيث ترعرع وتكوّن جزء كبير من وعيه السياسي. محطّات نشأته المتعدّدة — من شرق أفريقيا إلى جنوب أفريقيا ثم إلى الولايات المتحدة — أعطته حسًّا متعددَ الهويات، جمع بين تجربة المهجر والعودة إلى المدينة الكبرى التي راح يعمل من داخل أحيائها قبل أن يخوض حلبة السياسة الرسمية. هذه الخلفيات الذاتية ظهرت مرارًا في خطابه الانتخابي كقيمة مضافة: زعرية تتفهّم المهاجرين والطبقات العاملة في مدينة متعددة الأعراق.
المسار السياسي: من جمعية الولاية إلى ساحة الحكم المحلي
دخل ممداني الميدان السياسي عبر عضوية جمعية ولاية نيويورك، حيث برز كمعارض سياسياً ومطالب بسياسات تقدمية في مجال السكن والخدمات العامة. صفته كـ«اشتراكي ديمقراطي» لم تكن مجرد علامة تسويقية، بل إطارًا لبرنامج انتخابي ركّز على قضايا القدرة على المعيشة: حافلات عامة مجانية، زيادة الحد الأدنى للأجور، تجميد الإيجارات، وبرامج رعاية أطفال عامة. حشدت هذه الرسائل قواعد شبابية وطبقات عاملة بحثت عن بدائل لسياسات النخبة التقليدية.
تحالفات داخلية وخارجية: من بيرني إلى ألكساندريا أوكازيو كورتيز
حظي ممداني بدعم شخصيات تقدّمية وطنية مثل السيناتور بيرني ساندرز ونائبة الكونغرس ألكساندريا أوكازيو كورتيز، وراكم زخمًا على الأرض من خلال حملات تمويل قاعدية وقواعد متطوّعة على وسائل التواصل. شبكته داخل أحياء كوينز وبروكلين مكنت حملته من تحويل حضورها المحلي إلى قوة انتخابية قادرة على منافسة أوجه السلطة التقليدية. في المقابل عانى من مقاومة من قطاعات من الحزب الديمقراطي التقليدي ومن دعمٍ ماليٍّ كبيرٍ لمحَاولات إعاقة صعوده.
المعارك الشهيرة: مواجهة كوامو ثم صدام مع ترامب
مسار ممداني الانتخابي عرف مواجهتين بارزتين. الأولى مع أندرو كوامو، الحاكم السابق الذي عاد إلى ساحة نيويورك كمرشح مستقل بعد خسارته في الترشّح الأوليّ، فكانت المنافسة بين خطٍّ تقليدي ـ خبرة وسياسات «العودة» مقابل خطاب تقدمي جذري. في الحلبة الأولية والنهائية أثبت ممداني أنّ رهان القاعدة كان أقوى: هزيمة كوامو في أكثر من مناسبة مؤشر على تحول مهمّ في توازنات النفوذ المحلي. الثانية كانت مع الرئيس الأسبق (والمرشح الجمهوري) دونالد ترامب: ترامب أعلن علناً معارضته لممداني ودعَم منافسيه؛ بل ذهب إلى التهديد بقطع التمويل الفيدرالي عن المدينة في حال انتخاب مرشح تقدّمي مثل ممداني، ما أشعل سجالًا سياسيًا بين الطرفين على خلفية رؤىً متعارضة حول الهجرة والاقتصاد وقيادة المدن. ممداني لم يتوانَ في تحويل هذا الهجوم إلى أداة تعبئة، مخاطبًا ناخبي المدينة بأنه «عمدة المهاجرين» و«مناهض لسياسة الأثرياء».
نسب الأصوات وحجم الانتصار
أظهرت النتائج النهائية فوز ممداني بنسبة مقاربة لنصف الناخبين؛ تقارير ووسائل إعلامية دولية ذكرت أن ممداني حصل على نحو 50% من الأصوات في الجولة الحاسمة، متجاوزًا حاجز المليون صوت — رقمٌ لم يُسجَّل بهذه الكثافة في انتخابٍ لمدينة نيويورك منذ عقود، فيما تراجع كوامو إلى نسبة أدنى بفارق نحو ثمانية نقاط مئوية بحسب بعض الصحف التي راقبت أرقام فرز الأصوات. هذا الحسم أعاد التموضع السياسي في المدينة لصالح الجناح التقدّمي داخل الحزب الديمقراطي وجعل من فوزه مؤشرًا على انزياح قواعدية جديدة في المشهد المحلي.
لغة الخطاب وسياسة الشارع: كيف ربح ممداني القاعدة؟
نجح ممداني في تحويل مشاعر الاحتقان نحو سياسات المكافأة للأقل دخلًا إلى رواية سياسية واضحة. جمع بين الوعود الجريئة (مجانية مواصلات، تجميد إيجارات موسع، ضرائب على الأثرياء) وأساليب تحرك شبابية رقمية على الإنترنت، ما سمح له باستقطاب أصوات الجيل الشاب والناخبين من أصول مهاجرة. كما أن أسلوبه المباشر في مهاجمة الفساد والنخب الماليّة أسهم في أن يراه قطاع واسع ممثلاً لمصالح الطبقات الوسطى والفقيرة، لا لخطابٍ إقصائي وإنما لبرنامجٍ شامل أعاد تسويق فكرة المدينة كـ«مرفأ للمهاجرين والطبقة العاملة».
التحديات والآفاق: عمدة شاب في مدينة معقّدة
الفوز هو البداية لا النهاية. أمام ممداني تحديات جسيمة: إدارة ميزانية مدينة ضخمة تعاني من ضغوط اقتصادية، تلبية الوعود الاجتماعية ضمن قيود قانونية ومالية، التعامل مع معارضة من رجال أعمال ومؤسسات لا تعترف بسياسات المواجهة الضريبية، والحفاظ على توازنات الأمن والخدمات في مدينة مترامية. كذلك سيواجه اختباراً واقعياً في علاقته مع واشنطن، خصوصًا إذا استمرّ التوتر بين رؤيته وسياسات الإدارة المركزية أو مواقف زعماء من خارج الحزب مثل ترامب.
علامة زمن جديدة أم موجة عابرة؟
زهران ممداني ليس مجرد فائز بمنصبٍ محليٍ بقدر ما هو رمز لتيار سياسي صاعد في الولايات المتحدة. فشل التقليديون في إيقاف شعبيته، ونجاحه في تحويل شبكات المهاجرين والشباب إلى قوة انتخابية يُعيد طرح أسئلة جوهرية: هل ستتمكن مدن كبيرة مثل نيويورك من تجربة نماذج تقدمية واسعة النطاق؟ وهل ستكون تجربة ممداني قابلة للتصدير إلى مدن أميركية أخرى؟ الأكيد أن فوزه يضع المدينة والعالم أمام تجربة قيادية جديدة، من المتوقع أن تُختبر في الشهور الأولى من ولايته، وقد تكون إما بداية فصل من التغيير الحضري والسياسي، أو درسًا صعبًا في حدود الممكن داخل نظامٍ وقيودٍ لا تختزلها الشعارات الانتخابية






